الانتفاضة
تتابع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان فرع المنارة مراكش باستنكار شديد واقع التدبير العمومي بالمدينة، حيث تكشف الأرقام المرتبطة بالصفقات العمومية في مجالات التهيئة الحضرية والنقل العمومي وقطاع النظافة عن اختلالات صارخة بين حجم الاستثمارات المرصودة والنتائج الميدانية المحققة. ففي مجال التهيئة الحضرية بلغت قيمة إحدى الصفقات 68,9 مليون درهم، وأخرى قاربت 97,6 مليون درهم، وصفقات تقنية مكملة تجاوزت 5,5 ملايين و4,8 ملايين درهم، بينما خصص لمحورين رئيسيين بشارعي علال الفاسي ومولاي عبد الله ما يفوق 79,7 مليون درهم و81 مليون درهم على التوالي، أي أن مجموع هذه الصفقات وحدها يتجاوز 224 مليون درهم، دون أن ينعكس ذلك على أرض الواقع سوى في شكل حفر مفتوحة، اختناق مروري وتعثر مزمن للأشغال التي تفتقد للمثانة والجودة اللازمتين . كما أن مشروع ساحة جامع الفنا، الذي رصدت له كلفة مالية تقارب 115 مليون درهم، تحول خلال الأمطار الغزيرة والعواصف الرعدية للاسوع السالف إلى برك مائية واسعة، مما يفضح هشاشة البنية التحتية ويكشف عن حجم الغش والغدر و تبديد المال العام دون حماية حقيقية لحقوق المواطنين في الأمن والسلامة والعيش الكريم وفي انجاز اشغال تتماشى وحجم المبالغ المرصودة من المال العام..
أما في قطاع النقل العمومي، وهو مشروع للدولة ساهم فيه المجلس الجماعي ومجلس الجهة، فقد تم الإعلان عن جاهزية 60% من الأسطول الجديد قبل كأس إفريقيا 2026، ورصد 44 مليون درهم لإنجاز مأوى الحافلات، إضافة إلى فائض مالي يفوق 7 ملايين درهم موجه للدراسات، ومع ذلك ما تزال المدينة تعاني من الاكتظاظ، ضعف الخطوط، معاناة التلاميذ والطلبة والموظفين والعاملات والعمال والفئات الهشة، وغياب أسطول يراعي حاجات الأشخاص في وضعية إعاقة، فضلا عن الفشل الذريع لمشروع الحافلات الكهربائية الذي كان يفترض أن يشكل واجهة بيئية حديثة. وفي قطاع النظافة، ورغم عقود التدبير المفوض التي تتجاوز مئات الملايين من الدراهم، فإن المدينة تعاني من تراكم النفايات وانتشار النقاط السوداء وانبعاث الروائح الكريهة وإغراق مناطق حضرية في النفايات خاصة بمقاطعة المنارة ، وضعف الحكامة والمراقبة، مما يسيء لصورة مراكش كوجهة سياحية عالمية ويعمق معاناة الساكنة.
الأخطر أن هذه البنيات التحتية، رغم الأموال الطائلة المرصودة لها، لم تصمد أمام أي اختبار طبيعي، حيث كشفت الأمطار الغزيرة والعواصف الرعدية التي شهدتها المدينة هذا الأسبوع هشاشة المنظومة، وأدت إلى خسائر فادحة مادية وبشرية، مما يفضح زيف الخطاب الرسمي حول التنمية ويؤكد أن المال العام يهدر دون حماية حقيقية لحقوق المواطنين.
إن هذه الأوضاع تمثل انتهاكا سافرا للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية كما هي منصوص عليها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتتناقض مع مقتضيات الدستور المغربي الذي يضمن الحق في بيئة سليمة والحق في خدمات عمومية ذات جودة، ومع المرسوم المنظم للصفقات العمومية الذي يفرض اختيار العرض الأكثر أفضلية اقتصاديا بما يشمل احترام الآجال وجودة الإنجاز. كما أنها تشكل خرقا لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة المنصوص عليه في الفصل الأول من الدستور، وتتناقض مع الالتزامات الوطنية والدولية المتعلقة بمحاربة الفساد ونهب المال العام، وعدم الإفلات من العقاب، كما ورد في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، والقانون الجنائي المغربي الذي يجرم تبديد الأموال العمومية واستغلال النفوذ.
وعليه، فإن الجمعية المغربية لحقوق الإنسان فرع المنارة مراكش تعلن ما يلي:
– المطالبة بفتح تحقيق قضائي ومالي شفاف حول أسباب التعثر في المشاريع والصفقات العمومية، بما فيها مشروع ساحة جامع الفنا.
– تفعيل آليات المراقبة والمحاسبة على مستوى المجلس الجماعي والجهات المفوضة، وربط المسؤولية بالمحاسبة و محاسبة كل من يخول له القانون صلاحية اتخاذ القرار.
– اعتماد معايير شفافة تستحضر الجودة المنجز ونجاعته في محاسبة كل من تورط في سوء التدبير أو تبديد المال العام، وعدم السماح بالإفلات من العقاب.
– العمل بجدية على تغريم الشركات والمقاولات التي اخلت بالالتزمات او مارست الغش او عدم احترام المعايير الفنية والتقنية والهندسية المفروض الاحتكام إليها.
– إشراك المجتمع المدني في تتبع الصفقات العمومية وضمان الحق في المعلومة.
– وضع حد للفساد والزبونية في تدبير الشأن المحلي، وضمان شفافية الصفقات العمومية.
– ضمان احترام الالتزامات التعاقدية بما يحقق الحق في النقل، الحق في بيئة نظيفة، والحق في خدمات عمومية لائقة.
– حماية الحق في الحياة والسلامة الجسدية عبر بنية تحتية صامدة أمام الكوارث الطبيعية، وعدم ترك المواطنين عرضة للخطر بسبب الغش وسوء التدبير.
إن استمرار هذا الوضع يكرس التمييز الاجتماعي ويعمق معاناة الفئات الهشة، ويشكل إخلالا بالالتزامات الدولية والوطنية للمغرب في مجال حقوق الإنسان، ويؤكد أن الحق في مدينة نظيفة وآمنة ومنظمة هو حق إنساني أصيل يستوجب تحمل المسؤولية السياسية والقانونية الكاملة لضمانه، وأن السكوت عن هذا الوضع هو تواطؤ مع الفوضى والفساد ونهب المال العام، وهو ما لن تقبل به الجمعية وستواصل فضحه والترافع ضده بكل الوسائل المشروعة، داعية إلى تعبئة جماهيرية واسعة من أجل فرض احترام الحقوق الأساسية للمواطنين والمواطنات
عن المكتب
بمراكش 4 أبريل 2026
التعليقات مغلقة.