الانتفاضة // محمد خلوقي
في سجلّ التاريخ لحظات لا تموت، بل تتكرر بأشكال مختلفة وأسماء متبدّلة. ومن أبرز تلك اللحظات حادثة أبرهة الحبشي، حين ساق جيشه الجرّار يتقدّمه الفيل ليهدم الكعبة المشرفة، رمز القداسة والوحدة في وجدان المسلمين. لم تكن الحادثة مجرد واقعة عسكرية، بل كانت اختبارًا لمعنى القوة، وحدودها، ولمكانة الإيمان حين يتجرد الإنسان من أسباب الأرض.
جاء أبرهة مدفوعًا بغرور القوة وسطوة النفوذ، معتقدًا أن بإمكانه إخضاع المقدّسات لإرادته. لقد كان يملك جيشًا وسلاحًا وهيبة، لكنه افتقد البصيرة التي تدرك أن بعض الرموز لا تُقاس بموازين القوة المادية. وهنا تتجلّى المفارقة الكبرى: حين تتحول القوة إلى أداة طغيان، فإنها تعمي صاحبها قبل أن تقهر خصومه.
في المقابل، يقف عبد المطلب موقفًا أثار جدلًا واسعًا عبر التاريخ: يذهب إلى أبرهة لا ليحاججه في الكعبة، بل ليسترد إبله، ويقول كلمته الشهيرة: “أما البيت فله رب يحميه”.
هل كان ذلك تعبيرًا عن ثقة مطلقة بالله؟ أم انعكاسًا لواقع ضعف لم يترك له خيارًا آخر؟
قد يُفهم الموقف في سياقه التاريخي باعتباره تسليمًا لله حين تنعدم القدرة، لكنه حين يُستعاد خارج سياقه، قد يتحول إلى ذريعة للانسحاب من المسؤولية.
إن استحضار هذه الحادثة اليوم ليس من باب السرد، بل من باب المقارنة الرمزية. فالتاريخ لا يعيد نفسه حرفيًا، لكنه يعيد أنماطه:
نعيش اليوم قوة متغطرسة ترى نفسها فوق القيم والمواثيق.ونعيش كذلك واقعا مترديا اهله منشغلون فقط بمصالحهم الضيقة. ونعيش كذلك وضع مقدسات تُترك في مهبّ الصراعات، بين من يعتدي ومن يكتفي بالتفرّج.
في هذا السياق، يبدو أن بعض القوى الكبرى في عالمنا المعاصر تتصرف بعقلية الهيمنة ذاتها، غير عابئة بحدود أو حقوق، بينما يقف كثير من العرب والمسلمين في حالة تردد أو عجز، يقدّمون حسابات المصالح على حساب القضايا الكبرى.
لكن الفرق الجوهري الذي ينبغي الانتباه إليه هو أن حادثة أبرهة انتهت بتدخل إلهي مباشر، كما ورد في القرآن الكريم، وهو أمر لا يُقاس عليه في كل زمان. فالإيمان لا يعني التخلّي عن الفعل، ولا الاتكال على الغيب دون بذل الأسباب.
إن تحويل مقولة “للبيت رب يحميه” إلى مبرر للسكوت أو السلبية، هو فهم مبتور لا ينسجم مع روح الإسلام التي تجمع بين التوكل والعمل.
في نهاية هذه القراءة أعتقد ، ان المشكلة ليست في استحضار مستمر لاحداث التاريخ، المشابهة لواقعنا المأزوم بل في كيفية قراءته. فإما أن نجعله مصدر وعي يدفعنا إلى الفعل وتحمل المسؤولية، أو نحوّله إلى ملاذ نفسي نبرر به عجزنا.
إن أبرهة لم يكن مجرد شخص، بل نموذج يتكرر، كما أن عبد المطلب ليس مجرد شخصية، بل رمز لموقف يمكن أن يُفهم بطرق متعددة.
وبين النموذجين، يظل السؤال مفتوحًا:
هل نعيد إنتاج التاريخ كما هو، أم نتعلم منه لنكتب صفحة مختلفة؟
التعليقات مغلقة.