الانتفاضة
لم ينتظر إدريس لشكر كثيرا ليوجه رسالته إلى كل الطامحين لحمل ألوان الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في الاستحقاقات التشريعية المقبلة، حيث جاءت الرسالة حادة وواضحة ومباشرة.
لا تزكية خارج دائرة رضاه، ولا عبور إلى البرلمان إلا من البوابة التي يمسك مفاتيحها وحده.
هكذا، دخل حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية مبكرا مرحلة الترشيحات، وسط انطباع سياسي آخذ في الاتساع بأن الكاتب الأول قرر أن يبسط سيطرته الكاملة على هذا الورش الحساس، وأن يحوله من آلية يفترض أن تؤطرها روح التنافس الداخلي إلى مسار مغلق تديره إرادة فردية من فوق.
الوثيقة التي عممها إدريس لشكر على عضوات وأعضاء حزب “الوردة” لم تترك هامشا كبيرا للتأويل، إذ إن طلبات الترشيح تقدم باسم الكاتب الأول، والملفات تودع وفق مسطرة مضبوطة، والقرار النهائي يظل مشدودا إلى “مكتب الزعيم”، حيث تتجمع الخيوط كلها في يد القيادة.
وفي الوقت الذي يرفع فيه حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، في خطابه الرسمي، شعارات الانفتاح على الكفاءات، والتعبئة الميدانية، وربح ثقة الناخبين، تكشف المسطرة المعتمدة أن الكلمة الفصل لا تعود إلى مناضلي الحزب، ولا إلى قواعده، ولا إلى دينامية الأقاليم والجهات، بل إلى منطق مركزي صلب يجعل التزكية امتيازا يمنح من الأعلى، لا استحقاقا يفرزه التنافس الديمقراطي داخل الحزب.
كما أن اللجان الجهوية والإقليمية التي جرى التنصيص عليها لا تبدو سوى هياكل للغربلة الأولية ورفع التقارير، بينما يحتفظ المكتب السياسي بسلطة البت، ويظل إدريس لشكر ممسكا بالخيط الأكثر حساسية في العملية برمتها، من لحظة استقبال الطلبات إلى لحظة توقيع التزكيات الرسمية.
وبهذا، تتحول التزكية إلى قرار الزعيم، وتتحول المؤسسات الوسيطة إلى واجهة شكلية لا تغير شيئا في جوهر المعادلة.
هذا الاختيار لا يمر سياسيا من دون كلفة.
فهو يبعث برسالة ثقيلة إلى داخل الاتحاد الاشتراكي، مفادها أن منطق الثقة في القواعد لم يعد قائما، وأن القيادة اختارت أن تحسم مسبقا في قواعد اللعبة، وأن تضبط منافذ الترشيح بإحكام، وأن تمنع أي هامش قد يفتح الباب أمام تنافس حقيقي أو مفاجآت غير مرغوب فيها.
والمعنى الأوضح في كل ذلك أن الحزب، الذي طالما قدم نفسه بوصفه مدرسة في التعدد والاختلاف، يجد نفسه اليوم أمام صورة مغايرة تماما: قيادة تحتكر القرار، وقواعد تنتظر الإشارة، وآليات داخلية تبدو أقرب إلى ترتيبات شكلية منها إلى مؤسسات فعلية لصناعة الاختيار.
وبينما كان المنتظر أن تشكل المحطة الانتخابية لحظة سياسية لإعادة ضخ نفس جديد داخل الحزب، وفتح المجال أمام الكفاءات والوجوه القادرة على استعادة الثقة، اختار إدريس لشكر أن يسلك الطريق المعاكس، طريق الإمساك المحكم بالمفاصل، وإعادة هندسة الخريطة الانتخابية بمنطق الولاء والانضباط، لا بمنطق التداول والتنافس.
لذلك، لم تعد الأسئلة المطروحة داخل الاتحاد الاشتراكي مرتبطة فقط بمن سينال التزكية، بل صارت تتجه نحو سؤال أعمق وأخطر: هل بقي في الحزب ما يكفي من روح ديمقراطية تسمح بتعدد الأصوات وتكافؤ الفرص، أم أن التزكيات تحولت إلى أداة لإعادة إنتاج البنية المتحكمة نفسها وموازين القوة القديمة ذاتها.
ويبدو أن إدريس لشكر لا يريد أن يترك شيئا للصدفة، فهو يمسك بالمداخل، ويضبط المخارج، ويحتفظ بحق تعويض الأسماء عند تعثر استكمال اللوائح، ويضع توقيعه في آخر السلسلة باعتباره الختم الحاسم الذي يمنح الشرعية الحزبية أو يحجبها.
وهكذا، تصبح التزكية عنوانا مكشوفا على مركزية مفرطة، وعلى نزعة واضحة لاختزال الحزب في القيادة، والقيادة في شخص الكاتب الأول، ثم في قراره النهائي، ثم في توقيعه الذي بات يختزل وحده مصير الطامحين إلى تمثيل الحزب.
التعليقات مغلقة.