الحموضة السمعية البصرية

الانتفاضة // سعيد حجي

البرامج التلفزية التي تُبثّ عبر قنواتنا العمومية، وتلك الحموضة السمعية البصرية التي تُسقى لنا كل مساء، تموَّل في جزء معتبر منها من جيوبنا نحن، من تلك الضريبة الصغيرة التي تتسلل خفية عبر فواتير الكهرباء تحت عنوان السمعي البصري، ضريبة تُقتطع ببرودة البيروقراطية دون استئذان، ودون حتى أن تُكلّف نفسها عناء سؤال بسيط: هل ما يُنتَج يستحق أن يُشاهَد أصلا؟
وحين يتأمل المرء هذا المشهد بتجرّد، يكتشف مفارقة ثقيلة الظل: فضاء تلفزيوني ضخم، ميزانيات سنوية، استوديوهات، موظفون، لجان، دفاتر تحملات، خطابات رسمية عن “الخدمة العمومية”، جمهور فعلي يتقلص عاما بعد عام حتى صار شبيها ببقعة ماء تتبخر تحت شمس العصر الرقمي…
المشهد الإعلامي في زمن المنصات المفتوحة تغيّر جذريا، الإنسان المعاصر صار يمتلك مكتبة كونية في جيبه، بضغطة إصبع يعبر القارات البصرية، يختار ما يشاء من الأفكار والوثائقيات والسينما والحوارات الفكرية. في هذا السياق الواسع تبدو بعض قنواتنا وكأنها ما تزال عالقة في زمن آخر، زمن كان فيه المشاهد محكوما بجهاز واحد وموعد واحد، زمن كان فيه التلفزيون نافذة شبه وحيدة على العالم…
النافذة اليوم تحولت إلى جدار باهت تُعرض عليه إعادة إنتاج للفراغ، مسلسلات يقال عنها فكاهية بينما الضحك فيها مصنوع من خشب ثقيل، برامج يقال عنها ترفيهية بينما الترفيه فيها يذكّر الإنسان بمدى قدرة الصناعة الثقافية الرديئة على تسطيح الحس الجمالي وإرهاق الذوق العام.
تتكرر الوجوه نفسها، السيناريوهات نفسها، الإيقاع البطيء نفسه، كأن الزمن الثقافي توقف داخل استوديو معزول عن حركة المجتمع…
الشباب يتنفسون العالم عبر المنصات الرقمية، يشاهدون وثائقيات علمية عميقة، نقاشات فلسفية مفتوحة، تجارب فنية مبتكرة، بينما شاشة التلفزيون العمومي تواصل بث مواد تشبه تمرينا بيروقراطيا على ملء الفراغ الزمني…
التفاهة هنا لا تأتي كحادث عرضي، التفاهة تتحول إلى بنية كاملة، إلى نسق إنتاجي، إلى اقتصاد رمزي قائم على تكرار الرداءة حتى تصبح مألوفة…
عند هذه النقطة يدخل المجتمع في ما يسميه علماء الثقافة بتآكل الحس الجمالي الجمعي؛ حين يتكرر المحتوى الرديء أمام العين البشرية آلاف المرات، يتحول إلى معيار، يصبح القبح مألوفا، يصبح الافتعال مقبولا، ويبدأ الذوق العام في التراجع التدريجي كما تتآكل الصخور ببطء تحت ضغط الماء.
داخل هذا المشهد تتكاثر برامج تبدو وكأنها صُنعت في مختبر خاص لإنتاج الضجيج الفارغ…
حوارات بلا أفكار، فكاهة بلا روح، دراما بلا مأساة إنسانية، إيقاع سردي بطيء يجر المشاهد إلى حالة من الملل الوجودي، ثم تُقدَّم هذه المنتجات على أنها احتفاء بالحياة اليومية للمجتمع…
الحياة اليومية للمجتمع المغربي أكثر ثراء وتعقيدا من ذلك بكثير؛ الأسواق الشعبية وحدها تحمل مسرحا إنسانيا كاملا، المقاهي الصغيرة تختزن نقاشات فلسفية عفوية، الأزقة القديمة تختصر قرونا من الذاكرة الحضارية…
كل ذلك يغيب عن الشاشة، ويحل محله عالم مصطنع مصنوع من الورق المقوى.
الإنسان حين يدفع ضريبة عن خدمة عمومية ينتظر في المقابل قيمة رمزية ومعرفية، ينتظر إعلاما يوسّع أفق التفكير، يفتح نوافذ على العلوم، يخلق جسورا بين الثقافة الشعبية والمعرفة الأكاديمية، يروي قصص المجتمع بلغة فنية راقية…
لكن ما يحدث في كثير من الأحيان هو إنتاج متكرر لما يمكن تسميته اقتصاد التفاهة التلفزية، صناعة ثقافية تتحرك وفق منطق إداري بارد، ميزانيات تُصرف، مواسم تُملأ، شبكات برامج تُنجز، ثم يختفي الأثر الثقافي كما تختفي الكتابة على الرمل بعد مرور الموجة…
وفي مكان ما من هذا المشهد يتردد صدى فكرة قديمة للإعلامي والمفكر الكندي مارشال ماكلوهان، ذلك التأمل الذي يرى أن الوسيلة الإعلامية تعيد تشكيل إدراك الإنسان للعالم.
الفكرة تمر في الذهن كوميض، حين تصبح الوسيلة فقيرة في محتواها، يضيق الأفق الإدراكي للجمهور، وحين تتحول الشاشة إلى مسرح للسطحية يتراجع الخيال الجمعي خطوة أخرى نحو الانكماش…
الأمر لا يتعلق ببرنامج هنا أو مسلسل هناك، المسألة أعمق من ذلك بكثير، إنها علاقة المجتمع بذائقته الرمزية، علاقة المواطن بالمجال العمومي، علاقة المسؤولين بثقافة الناس.
الإعلام العمومي في أي بلد يمثل نوعا من العقد الثقافي بين المؤسسة والمجتمع، عقد غير مكتوب يقوم على فكرة بسيطة: المواطن يساهم في التمويل، والمؤسسة ترد الجميل عبر إنتاج معرفة وقيمة جمالية وتاريخية…
وحين يتحول هذا العقد إلى مجرد اقتطاع مالي من فاتورة الكهرباء، بينما الشاشة تعيد بث نفس النماذج السطحية، يشعر المواطن أنه يمول شيئا لا يعيش معه أي علاقة حقيقية، كأنه يدفع اشتراكا لمسرح لا يفتح أبوابه أبدا…
في لحظة ما يبدأ السؤال بالتشكل في الوعي العام:
متى ستُرفع اليد عن هذه القنوات كي تبحث بجدية عن معنى وجودها؟
متى ستتحول من جهاز إداري يستهلك المال العمومي إلى مؤسسة إعلامية تبتكر وتغامر وتنافس وتخاطر فكريا وفنيا؟
متى سيُعفى الناس من أداء ضريبة عن شاشة لا تشبههم، لا تعكس قلقهم الثقافي، لا تحترم ذكاءهم؟
المجتمعات التي احترمت عقل مواطنيها صنعت إعلاما عموميا عظيما، وثائقيات تدرس في الجامعات، أعمال درامية تتحول إلى ذاكرة وطنية، برامج فكرية تفتح النقاشات الكبرى حول التاريخ والهوية والعلم والسياسة…
في تلك التجارب يصبح التلفزيون جزءا من الفضاء العمومي العقلاني الذي تحدث عنه الفلاسفة، فضاء يتبادل فيه المواطنون الأفكار ويصوغون تصورهم المشترك للعالم.
أما حين تُترك الشاشة في قبضة الكسل الإبداعي، يتحول التلفزيون إلى آلة ضخمة لإنتاج الضجر، إلى مصنع صامت لتبديد المال العام، إلى مرآة مشروخة تعكس نسخة مشوهة من المجتمع…
وهنا يعود السؤال من جديد، ثقيلا، واضحا، يطفو فوق الضجيج كله:
إلى متى سيظل المواطن يدفع ثمن قنوات لا يشاهدها، وقنوات إن صادفته ذات مساء وفتحها بدافع الفضول لا تمنحه سوى شعور غامض بالقرف الثقافي، ذلك الشعور الذي يداهم الإنسان حين يدرك أن ذكاءه يُعامل باستخفاف؟

التعليقات مغلقة.