يقال أن الحكومة بدأت تهتم بمراقبة جودة التعليم العالي !

الانتفاضة // إلهام أوكادير

التعليم العالي، ذلك الدهليز المظلم الذي لطالما أرّق أجيالا كثيرة من الطلاب، لا لشئ سوى لضبابية التعاطي مع مناهجه المستحدثة،  التي تخالف كثيرا ما يتعوده الطالب من مسار دراسي خلال الأسلاك السابقة.

إن كل من عايش فترة الإنتقال من السلك الثانوي إلى السلك الجامعي، ليمرّ من أزمة نفسية تشبه الدهليز المظلم كما وصفناه سالفا، فبعد أن تعوّد الدراسة داخل أقسام صغيرة تحتوي أعدادا محددة من الثلاميذ، يعرفون بعضهم البعض، ويألفون طباعم، ويدرسون مواد محددة بفصول صغيرة طيلة السنة، ما يضمن وضوح الرؤية والإستيعاب التام لمحاور المواد وماهيتها، تحت إشراف قارّ لأستاذ مُوجّه، يعرفهم بأسمائهم الكاملة وطباعهم وهفواتهم، بل يدرك أسلوب كل عنصر من ثلامذته، ويدرك العديد من التفاصيل العائلية عنهم، إلى جانب إحاطته بالمستوى الدراسي لكل واحد منهم على حدة، ما يجعل العلاقة القائمة بينهم مستمرة على الدوام و يطبعها التواصل والمتابعة.

كل هذا المسار الدراسي النّمطي، الذي لطالما شكل كيمياء انسجام الثلميذ بمحيطه الداسي وبمدرّسه، يأتي عليه اليوم الذي ينتقل فيه إلى عالم مخالف وجديد، عالم مفكك الروابط و التواصل، ليجد نفسه أمام تحدي اكتشاف المعالم الجديدة للدراسة الجامعية، هناك حيث لا مُوجّه ولا مُدرّس ولا أعداد صغيرة ولا طلاب مألوفين، ولا فصول ثابثة.

هناك حيث تشعر بأنك فقدت هويتك السابقة، لتجد نفسك أمام مهمة توجيه نفسك بنفسك، ومراقبة أدائك بنفسك، والبحث عن المعلومة الصحيحة بطريقة شاقة، هناك حيث لا أحد يمنحك اليقين، حيث الأعداد بالألوف لا العشرات، وحيث لا تملك كرسيك الخاص والقار في كلّ فصل، وحيث لا يهتم المُوجّه بمعرفة إسمك أو تفاصيلك الخاصة، أو ما إن كنت قد تمكذنت من الولوج إلى المعلومة وفهمتها، وحيث لا علاقات قارّة، ولا اهتمام خاص.

إنه عالم يظهر غريبا للوهلة الأولى، حيث يلعب المثحاضر دورا محدودا يكاد لا يشفي فضولك، حيث يحضر لساعة ونصف أسبوعيا، يحاول أن يلقي خلالها رؤوس الأقلام والخطوط العريضة للمادة، في الوقت الذي يصارع فيه الطالب الزمن ليقوم بالإستماع للمعلومة، وفهمها وتدوينها دون إفلات ما يليها، خاصة وأن مراجع المادة قد تتوفر وقد لا تتوفر، ناهيك عن الكم الهائل من المواد التي تبرمج في كل فصل من السنة الدراسية، والتي لا تحظى بالوقت الكافي من الدراسة والشرح والفهم عوض الإنتقال إلى أخرى، ما يجعل الطالب يضيع بين قلة الشرح والمعلومة وتكدس الأعداد الهائلة من المواد التي سيمتحن فيها، وهنا نلمس جودة الدراسة بالتعليم العالي، كم دون كيف!.

إن ما ذكرناه لحد الساعة ليعد القلة القليلة من كومة التحديات التي تواجه الطالب الجديد، وهو ينتسب لدوامة التعليم العالي بشتى صعوباتها سواء البيداغوجية أو الإدارية أو المادية وغيرها.

بهذا الوضع، نقول أن الحكومة قد تأخرت كثيرا في الإلتفات إلى مرحلة تعليمية هامة، تعدّ مصيرية بالنسبة لآلاف الطلاب، الذين غالبا ما تنتابهم الحيرة والشّك في التوجهات التي انتقوها، بسبب ضبابية الأفق المستقبلية للتوجات والشعب التي تدرس داخل الجامعات، وغيرها من الإكراهات التي تحدّ من عزيمة العديد منهم.

وبما أنّ الحكومة قد وجهت أنظارها اليوم إلى هذا الدهليز المضبب وجودته، فإنها إذ مطالبة بحسن النية والإصلاح في التعامل مع هذا الملف المُتعب، وأن تغوص في تفاصيله، لتقف على كل صغيرة وكبيرة، بدء بالمرحلة الإنتقالية الأولى للثلاميذ وما يشوبها من صعوبات في الإندماج داخل هذا المسار الدراسي المختلف عن سابقيه، عبر تبسيط إجراءات التسجيل ومنصاتها، وتوفير المعلومة اللازمة، هذا من جهة.

أما ل جهة الأخرى وهي الأهم، فتكمن في حسن اختيار المواد الدراسية الأساسية التي تناسب كل شعبة على حدة، على أن تكون أعدادها قليلة، يخصص لها الحيز الزمني الكافي لتدريسها والذي كان يحدد سابقا في سنة عوض ثلاثة أشهر في الوقت الحالي، ليتم تدريسها وشرحها وبالتالي فهمها الجيد من قبل الطالب، الذي قد يجد صعوبة في التعامل مع محاورها خارج الفصول، فالمطلوب هو التركيز على الجودة والكيف لا الكم الهائل والتكديس المفرغ للمعلومات، التي لا يستفيد منها الطالب فيما يلي من سنوات العمل داخل سوق الشغل.

كما أن الحكومة مطالبة بحسن ملاءمة التخصصات المدرجة بالتعليم العالي والمواد المُدَرّسة مع ما يتطلبه سوق الشغل من اختصاصات، حتى تقوم بإعداد طلبة تتوافق دراستهم الجامعية مع ما يتطلبه سوق الشغل من مهن، ما سيسمح لهم بالولوج السلس لمختلف المهن والوظائف، عوض الخوض في تكوينات أساسية لا تكاد تلمس جوهر المهن التي يتطلبها سوق الشغل سواء المحلي أو الدولي، ما يجعلهم يتخبطون في دوامة التخصص الذي لا يلائم سوق العمل، ليتجلى الإحباط النفسي للعديد منهم.

أخيرا وليس آخرا، نقول بأن قطاع التعليم شئنا أم أبينا، لهو الركيزة الأساس لإعداد المجتمع المستقبلي، وفئة المواطنين اللاحقة، التي ستكون الحكومات بصدد التعامل معها، فإن هي أحسنت العناية بها وبدراستها وبظروفها والصعوبات التي تعتريها، ستكون بذلك قد أنهت فصلا كبيرا من الإعداد التنموي لمجتمعها المستقبلي، الذي سيكون شاكرا لما قدمته من ترتيبات جادة وقيمة، يسّرت تكوينه وولوجه لسوق الشغل سواء المحلّي الذي يعدُّ الوجهة الأولى لهم أو غيره.

التعليقات مغلقة.