الانتفاضة
لم يعد خافياً على أي متتبعٍ للشأن العام أن بعض الأصوات التي تقدّم نفسها في ثوب “الصحافة البديلة” انزلقت، عن وعي أو بدونه، إلى ممارسات لا تمتّ بصلة لأخلاقيات المهنة ولا لقيمها النبيلة.
وفي مقدّمة هذه الانزلاقات، ما أقدم عليه المدعو حميد المهداوي من ترويج خبر زائف يدّعي وفاة والدة الأستاذ محمد الهيني، في واقعة صادمة لا يمكن توصيفها إلا باعتبارها سقطة أخلاقية ومهنية جسيمة، تضرب في العمق معنى الكرامة الإنسانية وحدود المسؤولية الإعلامية.
إن ادعاء وفاة أمٍّ لا تزال، ولله الحمد، على قيد الحياة، ليس “خطأً مهنياً” عابراً يمكن تبريره بعجلة النشر أو سوء التقدير، بل هو فعل ينطوي على قسوة رمزية فادحة، ويكشف عن إفلاسٍ في المنهج والضمير. فالصحافة، مهما اشتدّ الخلاف أو احتدمت المعارك الفكرية، تظل ملزمةً بخطوطٍ حمراء لا تُمسّ، وفي مقدّمتها احترام الحياة الخاصة، وصون مشاعر العائلات، والامتناع عن تحويل الأمهات إلى أدوات لتصفية الحسابات.
الأخطر في هذه الواقعة أنها لا تأتي معزولة، بل تندرج ضمن مسارٍ بات يعتمد التشهير واستهداف المحيط العائلي بديلاً عن النقاش الرصين ومواجهة الحجج بالحجج. فبدلاً من تفكيك الآراء القانونية والتحليلات الهادئة التي يقدّمها الأستاذ الهيني في قضايا وطنية دقيقة، اختير الطريق الأسهل والأحطّ: بثّ الشائعات، وصناعة الإثارة، والركض وراء “المشاهدات” ولو كان الثمن الدوس على كرامة الأمهات. هكذا تُفرغ المهنة من معناها، ويُستبدل البحث عن الحقيقة بمنطق الإيذاء الرمزي.
وفي السياق ذاته، يبرز تعامل المهداوي مع ملف “الشاب عمر” (رحمه الله) كنموذجٍ آخر لهذا الانزلاق. فالقضية، بما تحمله من حساسية إنسانية وقانونية، تستدعي أعلى درجات التعقّل وانتظار ما تسفر عنه التحقيقات القضائية، احتراماً لمبدأ دولة الحق والقانون وقرينة البراءة.
غير أن ما حدث هو العكس تماماً: إطلاق أحكام جاهزة، وتوجيه اتهامات مسبقة، ومحاولة ممنهجة لشيطنة المؤسسات الأمنية والقضائية، في خطابٍ عاطفيّ يفتقر إلى التوازن والإنصاف.
ويزداد الاستغراب حين يلاحظ الرأي العام التقاطع الواضح بين هذا الخطاب التصعيدي وبين ما تروّجه منصّات دعائية خارجية وجهات معادية تتربص باستقرار المملكة.
هذا التناغم المريب يفرض أسئلة مشروعة: لمن تُقدَّم هذه الخدمة؟ وكيف يتحوّل من يرفع شعار “الدفاع عن الحقوق” إلى أداة تُستثمر، بقصد أو بدونه، في تقويض الثقة بالمؤسسات وضرب الأمن المعنوي للمجتمع؟
لقد أصبح واضحاً أن كل صوتٍ عقلاني يحاول مقاربة القضايا الوطنية بميزان القانون والعقل، بعيداً عن التجييش والابتزاز العاطفي، يُستهدف بحملات تشهير ممنهجة، تمارس نوعاً من “الإرهاب الفكري” لإسكات المخالف وترهيبه. إنها صناعة تضليل كاملة الأركان، تتغذّى على المآسي الإنسانية، وتستثمر آلام العائلات لتحقيق مكاسب افتراضية زائلة.
ختاماً، لا بد من التأكيد أن المؤسسات الأمنية والقضائية المغربية، بما راكمته من تجربة وبما تضطلع به من أدوار، أكبر من أن تنال منها ادعاءات مرسلة تفتقر إلى السند المهني والموضوعي.
وفي المقابل، تظل القامة القانونية والوطنية للأستاذ محمد الهيني نموذجاً للصوت المسؤول الذي يواجه التضليل بالحجة، ويقدّم قراءة عقلانية في زمن الضجيج. لقد آن الأوان لأن يميّز الرأي العام بين صحافةٍ تُنير العقول وتخدم الحقيقة، و”نضالٍ افتراضي” لا يعدو أن يكون ستاراً لاغتيالٍ معنوي وتشويشٍ ممنهج على ثقة المغاربة في وطنهم ومؤسساتهم.
التعليقات مغلقة.