مجموعة الجماعات الترابية مراكش–آسفي للتوزيع… بين رهانات الحكامة وإكراهات التنزيل

الانتفاضة // متابعة : سعيد الهركاوي

انعقدت، يوم أمس الأربعاء 25 فبراير 2026، أشغال دورة فبراير لمجلس مجموعة الجماعات الترابية مراكش– آسفي للتوزيع، برئاسة الدكتور طارق حنيش، في محطة تنظيمية جديدة تروم تتبع أداء مرفق حيوي يهم ملايين المواطنين عبر تراب الجهة.

الدورة، في ظاهرها، محطة عادية ضمن الروزنامة القانونية، لكنها في عمقها تعكس تحولات بنيوية يعرفها تدبير مرافق الماء الصالح للشرب والكهرباء والتطهير السائل، في سياق الانتقال من مرحلة الوكالات المستقلة والشركات المحلية السابقة، إلى نموذج الشركة الجهوية متعددة الخدمات، في أفق توحيد الرؤية وضمان النجاعة والعدالة المجالية.

ميزانية 2026… أرقام في مواجهة الانتظارات

اطلع المجلس، خلال هذه الدورة، على الميزانية السنوية برسم سنة 2026، التي أعدتها الشركة الجهوية متعددة الخدمات مراكش–آسفي، سواء في شقها المتعلق بالتسيير أو الاستثمار.

ميزانية تبدو، من حيث المبدأ، محاولة لإرساء توازن دقيق بين الحفاظ على استمرارية المرفق وضمان تمويل المشاريع المستقبلية.

غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في حجم الأرقام، بل في قدرة هذه الميزانية على معالجة تراكمات الماضي، خاصة تلك المرتبطة بالمديونية، وبتفاوت البنيات التحتية بين مدن كبرى ومجالات قروية أو شبه حضرية ما زالت تعاني هشاشة في شبكات التطهير أو ضعفًا في الربط بالماء والكهرباء.

مخطط خماسي… رؤية استراتيجية أم اختبار واقعي؟

النقطة الثانية المدرجة في جدول الأعمال، والمتعلقة بالمخطط التوقعي لخمس سنوات المقبلة، تكتسي أهمية خاصة. فهي تعكس طموحًا لإرساء تخطيط متوسط المدى ينسجم مع عقد التدبير المبرم بين المجموعة والشركة الجهوية.

لكن السؤال الجوهري يظل قائمًا:

هل سيُترجم هذا المخطط إلى مشاريع ملموسة تراعي الفوارق المجالية داخل جهة مترامية الأطراف مثل جهة مراكش آسفي؟

وهل ستُمنح الأولوية للمناطق التي عانت تاريخيًا من ضعف الاستثمار في شبكات التطهير والحماية من الفيضانات؟

إن الحديث عن تطوير البنيات التحتية وتحسين جودة الخدمات لا يمكن أن ينفصل عن شرط العدالة المجالية، باعتبارها ركيزة أساسية لأي نموذج تنموي مندمج.

تقرير المراقبة… الحكامة بين النص والممارسة

أما التقرير السنوي لسنة 2025، المعد من طرف مدير المصالح الدائمة للمراقبة، فيندرج ضمن آليات الحكامة التعاقدية المنصوص عليها في عقد التدبير.

وهو، من حيث المبدأ، أداة لضمان الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.

غير أن فعالية أي جهاز للمراقبة تبقى رهينة بمدى التفاعل مع توصياته، وبالإرادة السياسية والمؤسساتية لتنزيل خلاصاته، خاصة في ظل تعقيد المرحلة الانتقالية التي تعيشها الجهة.

إكراه النصاب القانوني… معضلة بنيوية صامتة

بعيدًا عن الجوانب التقنية، تواجه مجموعة الجماعات الترابية إكراهًا لا يقل خطورة: صعوبة توفر النصاب القانوني لعقد اجتماعاتها بانتظام.

وهو إشكال تنظيمي يعكس، في جانب منه، تباعد الرهانات السياسية بين مكونات المجلس، وفي جانب آخر ضغط الالتزامات المحلية على المنتخبين.

هذا التعثر، وإن بدا إجرائيًا، ينعكس مباشرة على وتيرة اتخاذ القرار، ويؤخر المصادقة على برامج أو اتفاقيات قد تكون حاسمة في معالجة اختلالات مرفق التوزيع.

إرث الوكالات السابقة… تركة ثقيلة

الانتقال إلى الشركة الجهوية متعددة الخدمات لم يأتِ من فراغ، بل جاء في سياق تراكم مشاكل واختلالات خلفتها بعض الوكالات المستقلة والشركات التي كانت تدبر الماء والكهرباء والتطهير السائل بعدد من مدن وأقاليم الجهة.

تفاوت في جودة الخدمات، هشاشة في الشبكات، تأخر في تجديد الاستثمارات، ومشاكل مرتبطة بالتحصيل والنجاعة المالية… كلها ملفات انتقلت، بشكل أو بآخر، إلى النموذج الجديد.

والرهان اليوم ليس فقط توحيد التدبير، بل تصفية هذا الإرث دون تحميل المواطن كلفة اختلالات لم يكن طرفًا فيها.

القوة القاهرة والفيضانات… درس آسفي نموذجًا

لا يمكن الحديث عن تدبير مرافق الماء والتطهير دون استحضار المخاطر الطبيعية، خاصة الفيضانات التي شهدتها مدينة آسفي وعدد من مناطق الجهة خلال السنوات الأخيرة.

لقد كشفت هذه الأحداث أن شبكات التطهير التقليدية لم تعد قادرة على استيعاب التحولات المناخية، وأن مفهوم “القوة القاهرة” لا ينبغي أن يتحول إلى شماعة لتبرير هشاشة البنيات، بل إلى منطلق لإعادة التفكير في معايير التصميم والاستثمار.

فالمطلوب اليوم برامج حقيقية للوقاية من المخاطر، مدعومة بميزانيات واضحة ومؤشرات قياس، تأخذ بعين الاعتبار التوسع العمراني وتسارع التغيرات المناخية.

بين جيل جديد من البرامج وإرادة التنفيذ

تعيش الجماعات الترابية مرحلة انتقال نحو جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، يقوم على التخطيط الاستراتيجي، والشراكات متعددة المستويات، وربط التمويل بالنتائج.

غير أن نجاح هذا الجيل رهين بثلاثة شروط أساسية:

إرادة سياسية واضحة لتجاوز الحسابات الضيقة وتغليب المصلحة العامة.

عدالة مجالية فعلية تضمن توجيه الاستثمار نحو المجالات الأكثر هشاشة.

انضباط مؤسساتي يضمن انتظام الدورات وتفعيل المقررات دون تأخير.

مرفق حيوي في مفترق الطرق

إن دورة فبراير لمجموعة الجماعات الترابية مراكش–آسفي للتوزيع ليست مجرد محطة تقنية، بل لحظة سياسية ومؤسساتية تعكس حجم الرهان المرتبط بتدبير مرفق حيوي يمس الحياة اليومية للمواطنين.

فإما أن يشكل النموذج الجهوي الجديد فرصة لتصحيح الاختلالات التاريخية وبناء حكامة فعالة تستجيب للتحولات المناخية والديمغرافية،

وإما أن تتحول التحديات التنظيمية والإرث الثقيل إلى عوائق تُفرغ المشروع من مضمونه.

ويبقى السؤال مفتوحًا:

هل نملك، كمؤسسات ومنتخبين، الجرأة الكافية للانتقال من منطق التدبير اليومي للأزمات، إلى منطق التخطيط الاستباقي القادر على حماية الجهة من مخاطر الغد؟

التعليقات مغلقة.