لماذا لا يتمكّن السياسي من إسعاد المواطن؟

المعادلة الصعبة!

الانتفاضة // إلهام أوكادير

لا شكّ أنّ أقصى ما تسعى إليه دول العالم بشتى تموقعاتها و خصائصها الإقتصادية والجغرافية والمجتمعية المختلفة، هو تحقيق النمو والتطور والرقي والإزدهار لفائدة أفراد مجتمعاتها، وهو ما يتطلب قيام جميع أجهزة الدول بما يلزم من سياسات واستراتيجيات ومشاريع تحقيقا لهذه الغاية، إلا أنه وحسب ما نجد في غالب الأحيان، القلة القليلة منها فقط، هي من تنجح في السير باتجاه تطور ورقي مجتمعاتها، ما يجعلنا نتساءل في قرارة أنفسنا عن الأسباب الحقيقية.

فما الذي يجعل بعض المجتمعات وبالرغم مما تدعيه من عمل مُضنٍ لتحسين جودة حياة أفرادها، إلا أننا لا نكاد نلمس ذلك على أرض الواقع؟

إن الجواب عن هذا السؤال الإشكالي من جهة والجوهري من جهة أخرى، ليتطلب منا الوقوف على واقع الأمر بصدق تام ووضوح، حتى نتمكن من وضع اليد المشافية على مواطن المرض والألم، لا مجرّد الإكتفاء بوصف أدوية مسكنة وأخرى واهية لا تزيد الأمر إلا سوءً.

ولهذا، لن نتوانى عن القول بأن أزدهار المجتمعات ورقيُّها لا يكمن أساسا في ضخامة المشاريع والبنايات والمدن العصرية والتكنولوجيا الحديثة وغيرها من المظاهر التي تُميز بعض المجتمعات التي قطعت أشواطا كبرى في تحديث ورقمنة الحياة اليومية لأفراد مجتمعاتها، لا لعيب في ذلك، سوى أنه يتطلب العمل بداية على مستويات أعمق وذات أولوية مقارنة بما هو ظاهري.

ولكي لا نُسهب كثيرا في الحديث عن ما هو عام، سننتقل للحديث عن ما يلزمنا بداية العمل عليه، باعتبارنا أحد المجتمعات التي ما تزال تبحث عن طريقها الصحيح والمؤدّي لتطورها.

إننا وبمجرّد ملاحظة تحليلية بسيطة لبنيات مختلف الدول، نجد أن كل بلد يتمتع بمؤهلات مختلفة عن غيره، فمنهم من يتمتع بكثافة بشرية ضخمة، ومنها من يتمتع بثروات طبيعية وافرة، ومنها من مُنح مميزات جغرافية وبيئية ومناخية إستثنائية، ومنها من كان التراث والمعالم التاريخية و السياحية عنوانا لها، وهذا إن دلّ على شيء، فإنما يدلّ على أن التجربة الأرضية، شاءت أن تجعل لكل مجتمع نقاط قوة وتميز تختلف عن غيره، وهو ما يحيلنا على أن رقي وتطور وازدهار المجتمعات، لا يمكن أن يتبع الخطة الواحدة، وذلك بسبب الأولويات المجتمعية التي يحتاج كل مجتمع العمل عليها، بالإضافة لاختلاف الأدوات المتوفرة والمتاحة لكل واحد منها.

إن ما نريد الكشف عنه هنا لهو ما يسمى بالخصوصية، نعم خصوصية المجتمع، بمعنى أنّ على كل مجتمع يطمح اليوم إلى التطور والرفع من جودة حياة مواطنيه وزوّاره، أن ينظر إلى بنيته الداخلية أولا، أي إلى احتياجاته الأساسية، والتي قد تكمن ببساطة في تفعيل قيمة النظافة واحترام الغير، والتّخلّق وحس الإنسانية، فهاته القيم الأساسية والهامة قد تجعل من المجتمع البسيط الذي يتمتع بها، ملاذا آمنا لأفرادها و لزوارها، الذين سيتوافدون لا محالة من كلّ مكان، إذا ما علموا بتوفر كذا قيم في مكان ما، لأن من شأن ذلك أن يضمن جوا من الإستقرار والطمأنينة والإحساس بالأمن والأمان، وهي متطلبات غاية في الأهمية بالنسبة لكل فرد أينما تواجد، إذ بدونها لا يستقيم الحديث عن أي تطور ورقيّ مجتمعي، مهما بلغت درجة التحضّر و العصرنة والرقمنة وغيرها من المظاهر الخارجية التي قد يتميّز بها.

إن مجرّد التواجد والعيش داخل بلد هادئ وإن كان بسيطاً من الناحية التقدمية إن صحّ التعبير، بلد يتمتع أفراده برقي أخلاقي، ومعاملات إنسانية تخلو من الغضب والكراهية والقسوة، وبيئة نظيفة تشمل الطرق والأزقة والبيوت والثياب، مجتمع نظيف القول والفكر والمظهر، مجتمع طيب النية والقصد، لا يعتدي فيه شخص على غيره ولا على ممتلكاته، بيئة تتمتع بالأمان المجتمعي والإنساني، بيئة مُغرية لكل من يسمع عنها، والتي قد تكون كفيلة بأن تحقق ما يطمع السياسيون لتحقيقه عبر مشاريعهم الضخمة، الممولة بالملايين العديدة من العملات المحلية، والتي قد لا تؤتي ثمرها المُنتظرة، المتمثلة في خلق بيئة جالبة للزوار أو الرفع من جودة حياة ورضا أفرادها الأصليين.

إن وصفة النجاح والتأثير قد لاتكون دائما بالمكلفة أو الصعبة، فأحياناً كثيرة قد تكون بسيطة ومفاجأة إذا ما اتصلت باحتياجات العمق البشري و سبل إراحته.

كما يمكن أن يرتبط رُقيّ المجتمعات كذلك بمدى جدّية حكوماتها في سنّ القوانين والتنظيمات الصارمة، التي تضمن الحقوق والواجبات وتنسف التعدّي، والتي ترسم الحدود بشكل قطعي لا يتحمّل اللبس أو سوء الفهم والتأويل، حتى يكون القانون سيفاً حاداً على رقبة كلّ من تُخوّل له نفسه التعدّي، أو التخريب، أو الغشّ والمماطلة في تأدية الواجب وخدمة المواطنين، وضمان الحدّ الأعلى من مستوى الخدمات المقدمة لأفراد المجتمع وزواره، تلك البيئة التي يشعر فيها لمواطن بأنه ذو قيمة وأولوية ومحميّ، هاته البيئة التي ستضيف الكثير لسمعة ومكانة البلد إذا ما أُضيفت إلى ما سبق ذكره.

غير أنّ كل ذلك، لا يمكن أن يتأتى إلا إذا ما اعتمدنا نظام مراقبة ومحاسبة صاااارمين، تجعل الجميع يقوم بكلّ ما يلزم بل وأكثر، فقط كي لا يُسحب منه بساط ممارسة نشاطه في لمح البصر.

إن ما نريد التأكيد عليه من خلال كلّ ما ذكرناه سالفا، هو أن البلدان وبالرغم من عدم توفرها في العديد من الأحيان على المقومات والثروات البيئية التي من شأنها أن ترفع لحالها مستوى عيش أفرادها، إلا أنه يبقى بإمكانها العمل على مقومات أخرى كثر بساطة و بداهة، والتي قد تجعلها تتميز عن غيرها من البلدان المتطورة التي تعتمد التطنولوجيا والرقمنة والسرعة كأداة للرفع من جودة الحياة داخلها.

كما أن الغرض من بسط هذا الطرح ليس هو الإنكماش وعدم السعي لتحقيق تطور عصري وتكنولوجي ورقمي على حدّ سواء، بل على العكس، فنحن مطالبون بمواكبة ما تؤول إليه الحياة اليوم من تطور وسرعة وسهولة، هذا من جهة، كما أننا مطالبون بحسن استثمار ما نتميز به عن غيرنا من نقاط قوة قد تزيد من فاعلية ونتيجة السياسات الحكومية إذا ما تم الاعتناء بها و الإعتراف بتأثيرهاوالتي تكمن في الأمن وحسن التربية والأخلاق والنظافة والسلم والهدوء، والحسّ الفنّي في شتى تمظهراته، والتزام الحدود، واحترتم الغير، والصدق والإخلاص في المعاملات وفي تأدية الواجب. فإذا ما استطاعت الحكومات العمل على هاته المرتكزات المجتمعية وادخالها ضمن برامجها السياسية والإقتصادية، تكون بذلك قد عبّدت الطريق الوعر المؤدي إلى تحقيق البنية السليمة والملائمة للرقي والتطور والإزدهار.

التعليقات مغلقة.