حين تسقط الحاشية مع الزعيم: سياسة الدومينو في زمن الصعود السريع

الانتفاضة

ليست مأساة السياسة المغربية في الزعماء الذين يمرّون، بل في الحواشي التي تُصنع على عجل وتُكسر على عجل. فحين يصعد زعيم بلا تاريخ سياسي متدرّج، وبلا حزب مبني على الأفكار والمؤسسات، فإنه لا يجد أمامه سوى خيار واحد: صناعة حاشية على مقاسه، تدين له بكل شيء، وتفتقر إلى أي شرعية ذاتية خارج ظله.

هكذا جاء أخنوش، لا باعتباره تتويجاً لمسار سياسي طبيعي، بل كنتاج ظرف سياسي خاص، فجاء معه من جاء: جوقة من الطبالين والأنصار، أُخرجوا من العدم السياسي، وبُوّئوا مناصب أكبر من خبرتهم، ومُدّت لهم موائد الغنائم قبل أن يُسألوا عن الكفاءة أو الرؤية.

الحاشية بدل الحزب

في التجارب السياسية الهشّة، لا يُبنى الحزب بل تُبنى الحاشية.

والفرق بينهما عميق:

الحزب فضاء اختلاف وتداول وتراكم،

أما الحاشية فهي فضاء ولاء أعمى، وتطبيل، وخوف دائم من السقوط.

الزعيم العَرَضي يحتاج إلى محيط أضعف منه، لا ينافسه ولا يُحرجه ولا يطرح الأسئلة. لذلك تُقصى الكفاءات الصامتة، ويُقدَّم الأكثر استعدادا للتبرير والدفاع والانخراط في منطق “نحن أو الفوضى”.

من التواصل إلى العجرفة

حين تُسند مواقع حساسة لأشخاص بلا عمق سياسي ولا قدرة تواصلية، يتحول الفشل إلى سلوك.

الناطق باسم الحكومة، الذي يُفترض أن يكون واجهة الدولة، يصبح عبئا عليها.

بدل الشرح: ارتباك.

بدل الإقناع: تعالٍ.

وبدل احترام الصحافة: قمع لفظي وعجرفة تُغطّي خواء فكريا وسياسياً.

هذه ليست أخطاء أفراد بقدر ما هي نتيجة طبيعية لمنظومة اختارت الولاء على الكفاءة، والتطبيل على التفكير.

لحسن السعدي كبير الطبالين… وباقي الجوقة

في كل حاشية، يوجد “كبير الطبالين”، ومعه صغار الطبالين من شباب وشابات ظنّوا أن السياسة اختصار، وأن المجد يُمسك من أطرافه دون ثمن أو تجربة. صعدوا بسرعة، ففقدوا الإحساس بالمسافة بين المنصب والاستحقاق، وبين السلطة والمسؤولية.

لكن السياسة لا تعترف بالقفز، بل بالمسار.

ومن يصعد دون جذور، تسقطه أول ريح.

منطق الدومينو

في الأحزاب المختزلة في شخص واحد، السقوط لا يكون فرديا ولا تدريجيا، بل فجائيا وجماعياً.

يسقط الزعيم، فتسقط صورته.

ثم تسقط الحاشية الإعلامية.

ثم المنتخبون الذين بلا قاعدة.

ثم “النخب الجديدة” التي لم تختبر المعارضة ولا النقد.

إنه منطق أحجار الدومينو: حجر واحد يتحرك، فينهار الصف كله.

الأيتام السياسيون

بعد العاصفة، يخلّف الزعيم وراءه أيتاماً سياسيين:

لا تاريخ يشفع لهم،

ولا كفاءة تحميهم،

ولا مشروع يعودون إليه.

ليسوا ضحايا بقدر ما هم نتاج اختيار: رهن المصير بعرّاب، لا ببناء ذات سياسي مستقل.

التاريخ السياسي لا يرحم الصعود العمودي.

ومن يصعد بالمصعد، يسقط غالبا بانقطاع الكهرباء.

أما الأحزاب التي تُختزل في زعيم، فهي لا تخسر الزعيم فقط، بل تخسر الزمن، وتُهدر الثقة، وتُعيد إنتاج نفس الحلقة: زعيم جديد، حاشية جديدة، وسقوط مؤجل.

التعليقات مغلقة.