الانتفاضة
تسارع أحزاب التحالف الحكومي الثلاثة؛ التجمع الوطني للأحرار، الأصالة والمعاصرة، والاستقلال، إلى ارتداء عباءة “المنقذ” وتقديم نفسها كطوق نجاة للمغاربة من الأزمات الخانقة، في محاولة مكشوفة لتبييض سجل حكومي مثقل بالإخفاقات. غير أن الواقع، بعيدًا عن بروباغندا الإعلام الحزبي، يكشف أن هذه الأحزاب لم تكن يومًا سوى واجهة سياسية لحكومة الباطرونات والفراقشية، التي راكمت الأرباح لقلة ووسّعت دائرة المعاناة للأغلبية.
خلف الواجهة المصقولة، تعيش مكونات التحالف على وقع صراعات داخلية خانقة، وارتباك قيادي، واصطفافات مصلحية، تُدار بمنطق التعليمات لا البرامج، وبحسابات البقاء لا خدمة المواطن. أما المغاربة، فقد اكتفوا بدور المتفرج، بعد أن فقدوا الثقة في خطاب سياسي مكرر، ينتظرون لحظة الحسم عبر صناديق الاقتراع، إن تُرك لهم الاختيار دون تدخل المال والنفوذ وماكينات التوجيه والتحكم في النتائج التي يُعدّ لها من الآن.
داخل كواليس السياسة، يُتداول أن تنحية عزيز أخنوش عن قيادة حزب الأحرار خلّفت فراغًا مربكًا داخل الحزب المتزعم للحكومة، بعدما وجد عدد من المنتسبين أنفسهم بلا “مظلة”، بعد سنوات من الاحتماء بقائد صُنِع إعلاميًا أكثر مما قاد سياسيًا. حزب كان قائمًا على الشخص أكثر من المشروع، فلما غاب الرأس، بان هشاشته.
أما حزب الأصالة والمعاصرة، فيبدو أنه اختار سياسة الهروب إلى الأمام. فقد قررت قيادته تأجيل اجتماع مجلسه الوطني للمرة الثالثة، في خطوة أثارت أكثر من علامة استفهام. مراقبون يرون أن “البام” يترقب هوية الزعيم الجديد لحزب الأحرار قبل ترتيب أوراقه، خوفًا من اتخاذ مواقف قد تصطدم بتوازنات التحالف، خاصة مع طموح معلن لقيادة “حكومة المونديال”.
لكن التأجيلات المتكررة لا تخفي حقيقة أن الحزب غارق في خلافات داخلية عميقة حول نموذج القيادة، بعد فشل تجربة “القيادة الجماعية” التي تحولت إلى ثلاثة رؤوس متنازعة، عاجزة عن تدبير دائرة انتخابية، فكيف بحلم تدبير دولة؟ مما دفع بالبعض الى المطالبة بانتخاب أمين عام واحد يتحمل المسؤولية السياسية، بدل توزيع الفشل على جماعة.
بدوره، حزب الاستقلال ليس في حال أفضل. الحزب يعيش انقسامًا حادًا بين تيارات متصارعة على النفوذ والمناصب، في ظل اتهامات لنزار بركة بتغليب المقربين والأصدقاء في التعيينات والمسؤوليات، ما فجّر غضب تيار ولد الرشيد، الذي لم يستسغ إقصاءه من “الكعكة”. صراع قديم تجدد منذ وصول بركة إلى الزعامة في ظروف وُصفت بالغامضة، جعل الحزب منشغلًا بحرب داخلية بدل الانخراط في عمل سياسي جاد.
وزادت فضيحة نور الدين مضيان ومن معها من تعرية واقع أخلاقي متآكل داخل حزب علال الفاسي، كاشفة ما يجري في الخفاء بعيدًا عن شعارات القيم والنزاهة، لتسقط آخر أوراق التوت عن خطاب حزبي ظل يقدّم نفسه كمرجعية أخلاقية.
بين نفاق خطاب الحكومة وتوحش السياسات، فقد المغاربة ما تبقى من أمل في أحزاب الحكومة، التي أفقرت الأغلبية، وأرهقت الطبقة الوسطى، وزادت من هشاشة الفئات الضعيفة. اليوم، الشارع لا ينسى، ولا يغفر، وينتظر لحظة المحاسبة. لحظة قد تأتي عبر صناديق الاقتراع، إذا لم تُختطف الإرادة مرة أخرى، وإذا لم تتدخل الأيادي الخفية، والمال، وشبكات النفوذ لقلب النتائج.
فالتاريخ السياسي لا يرحم، والمغاربة قد يصبرون، لكنهم لا ينسون.
التعليقات مغلقة.