هل نحن نتقدم فعلاً في التعليم، أم أننا نكرر الأخطاء بأشكال جديدة؟

الانتفاضة/ جميلة ناصف

ليس الهدف من استحضار الماضي هو البكاء على الأطلال، فالماضي كانت له حسناته كما كانت له عيوبه. لكن من الطبيعي أن يقارن الإنسان بين زمنين عاشهما أو سمع عنهما: زمن البساطة والقلة، وزمن الوفرة والتعقيد. هذه المقارنة لا تعني بالضرورة تفضيل زمن على آخر، بل هي محاولة لفهم كيف انتقل التعليم من مرحلة إلى أخرى، وكيف أثّرت التحولات الاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية في المدرسة وفي رمزية المدرس والتلميذ على حد سواء.
الحنين إلى الماضي ليس مجرد نزوة عاطفية، بل هو انعكاس لخيبة أمل يعيشها كثيرون أمام واقع تعليمي مثقل بالأزمات: برامج متقلبة، تكاليف متزايدة، ضعف المخرجات، وتفشي ما يُشبه تجارية التعليم. لكن السؤال الجوهري يظل قائمًا: هل كان التعليم في الأمس – رغم محدودية الوسائل – أكثر جودة وإنتاجًا من تعليم اليوم بكل ما يتوفر عليه من إمكانات؟

إذا عدنا بذاكرتنا إلى عقود خلت، سنجد أن المدرسة المغربية – والعربية عامة – كانت عنوانًا للبَساطة. لم يكن التلميذ يحتاج سوى «شکارة» صغيرة تضم كتابين أو ثلاثة على الأكثر، ودفتران من 24 ورقة، أحدها للغة العربية وآخر للغة الفرنسية. ورغم بساطتها، كانت تلك الأدوات كافية ليشق التلميذ طريقه في التحصيل.
كان الكتاب يُعتبر كنزًا ثمينًا، يُستعمل لسنوات طويلة، ينتقل من الأخ الأكبر إلى الأصغر، ومن الجار إلى قريب العائلة، حتى تفنى أوراقه وتتحول إلى رزمة مهترئة تحفظ ذكريات أجيال. لم يكن التلميذ يعيب عليه أحد إذا أعاد استعمال دفاتر العام الماضي بعد أن يزيل منها الأوراق المستعملة ويجمع الأوراق البيضاء ليصنع منها دفتراً جديدًا.
أما الأقلام، فكانت شبه محصورة في «قلم بيك» الأزرق أو الأحمر، وقلم رصاص بسيط، لم نعرف غيرها إلا في ما ندر. لم يكن هناك إغراق في الألوان والأشكال كما هو الحال اليوم. ومع ذلك، كانت تلك الأدوات القليلة تفي بالغرض، لأن العبرة لم تكن بالمظاهر بل بجوهر العملية التعليمية: التلقي، الحفظ، والتمرين المستمر.
وكانت المدرسة في الأمس فضاءً للاندماج الاجتماعي: الغني يجلس بجوار الفقير على نفس الطاولة، والمعيار الوحيد للتفوق هو الجِد والاجتهاد، لا القدرة المادية أو الوضع الاجتماعي. لم يكن التلميذ يشعر بالدونية بسبب فقره، بل على العكس، كان ينظر إلى التعليم باعتباره فرصة ذهبية لتغيير مستقبله ومكانته في المجتمع.
كما أن شخصية المدرس في الماضي كانت تُضفي على المدرسة جلالاً خاصًا. فقد كان المدرس رمزًا للهيبة والانضباط، قد يُقسو أحيانًا لكنه كان صادقًا في حرصه على نجاح تلاميذه. وكان حضوره يمتد خارج أسوار المؤسسة، إذ يكفي أن يراه التلميذ في الحي ليشعر بالانضباط والالتزام، فيخشى أن يُمسك به وهو يلعب بدل مراجعة دروسه.

فإذا كان التعليم في الماضي يقوم على البساطة والاقتصاد في الوسائل، فإن تعليم اليوم يتميز بالوفرة والتنوع إلى حدّ الإغراق. لم يعد التلميذ يكتفي بكتابين ودفترين، بل أصبح يحمل محفظة ثقيلة تضم عشرات الدفاتر والكتب الملونة، بعضها يتغير كل سنة ولا يُعاد استعماله، مما يجعل العملية التعليمية أقرب إلى الاستهلاك التجاري منها إلى الاستثمار في المعرفة.
لم يعد الدفتر العادي كافيًا، فهناك دفاتر مخصصة للرياضيات وأخرى للغات وثالثة للعلوم… بل حتى الأقلام أصبحت بألوان وأشكال متعددة، بحيث صار من الصعب أحيانًا التمييز بين ما هو ضروري وما هو مجرد كماليات. وهنا يظهر الطابع الرأسمالي للتعليم المعاصر: مناهج جديدة كل بضع سنوات، مقررات مدرسية تتبدل باستمرار، ووسائل تعليمية قد لا تضيف كثيرًا إلى التحصيل لكنها تزيد العبء المادي على الأسر.
أصبح التعليم اليوم مجالًا تُهيمن عليه حركة تجارية ضخمة، تبدأ من الأدوات المدرسية ولا تنتهي عند المؤسسات الخاصة ودروس الدعم. فالتلميذ لا يكتفي بما يقدمه له مدرسه في الفصل، بل غالبًا ما يُجبر – هو وأسرته – على البحث عن دروس إضافية في مؤسسات موازية أو عند نفس المدرس خارج ساعات العمل. وبذلك تحولت العملية التعليمية إلى سوقٍ كبير، الغالب فيها منطق الربح والخسارة، لا منطق البناء والتكوين.
كما أن دخول التكنولوجيات الحديثة غيّر طبيعة التعليم. صحيح أن الأجهزة اللوحية والحواسيب والسبورات الرقمية أدوات مهمة، لكنها لم تُستثمر دائمًا بالشكل المطلوب. أحيانًا تتحول إلى وسائل للتشويش بدل أن تكون أدوات للتبسيط والإغناء، خصوصًا في غياب تكوين كافٍ للأساتذة والمتعلمين على حد سواء.
والأخطر من ذلك، أنّ هذه الوفرة في الوسائل لم تؤدّ بالضرورة إلى تحسين المخرجات التعليمية. إذ تشير تقارير وطنية ودولية إلى أن مستويات القراءة والرياضيات واللغات لدى التلاميذ في المغرب – على سبيل المثال – لا تزال متدنية مقارنة بدول أقل إنفاقًا على التعليم. وهو ما يطرح سؤالًا عميقًا: هل نحن أمام تطور في الوسائل فقط دون أن يوازيه تطور في المردودية وجودة التعلم؟

المقارنة بين التعليم في الماضي والحاضر لا يمكن أن تقتصر على الأدوات والوسائل فقط، بل يجب أن تمتد إلى عمق العملية التربوية: المناهج، العلاقة بين المدرس والتلميذ، دور الأسرة، والمكانة الرمزية للمدرسة في المجتمع.
في الماضي، كانت المناهج محدودة وبسيطة، لكنها مستقرة، لا تتغير بسرعة، مما يتيح للتلميذ متابعة مساره التعليمي في إطار واضح. الاعتماد الأكبر كان على الحفظ، لكن ذلك منح التلاميذ قدرة على استيعاب النصوص والتمكن من اللغة. أما اليوم، المناهج أصبحت أكثر تنوعًا وانفتاحًا، مع إدماج المقاربة بالكفايات والأنشطة الموازية. لكن كثرة التغييرات وتعدد المقررات أفرز ارتباكًا لدى التلاميذ والأسر وحتى المدرسين، وفقدت المدرسة جزءً من وضوحها وهدفها.
أضف إلى ذلك، علاقة المدرس بالتلميذ كانت في الماضي قائمة على الهيبة والاحترام، إلى حد الخوف أحيانًا. كان المدرس سلطة معرفية وأخلاقية، حضوره يتجاوز حدود الفصل. اليوم، تقلصت هذه الهيبة، وأصبحت العلاقة أكثر أفقية، يسودها الحوار أحيانًا، لكن أيضًا يغيب فيها الانضباط. الإصلاحات التي حدّت من سلطة المدرس (منع الطرد أو العقاب الجسدي مثلًا) ساهمت في تحسين ظروف التعلم، لكنها بالمقابل أضعفت قدرة المدرس على فرض النظام.
ناهيك عن دور الأسرة في الماضي، كانت شريكًا مباشرًا في العملية التعليمية، تتابع عن قرب أداء أبنائها، وتعتبر المدرسة امتدادًا لدورها التربوي. اليوم، تقلص دور الأسرة بفعل انشغالات الحياة وضغوطها، وأحيانًا بسبب فقدان الثقة في المدرسة. أصبح كثير من الآباء يعتبرون أن دورهم ينحصر في دفع الرسوم أو تكاليف الدروس الخصوصية.

حين نتأمل التعليم في الأمس والحاضر، تتبادر إلى الأذهان أسئلة محورية تتجاوز المقارنة السطحية بين بساطة الماضي ووفرة الحاضر. فالقضية الأهم ليست في عدد الكتب أو شكل الدفاتر أو حتى نوعية الأقلام، بل في جودة التعلم وقدرته على تكوين إنسان متوازن، مبدع، وفاعل في محيطه.

هل قلة الوسائل تعني ضعفًا في التعليم؟، التجربة التاريخية تثبت العكس. فجيل الأمس الذي درس بأبسط الأدوات، خرج منه مفكرون وأطباء ومهندسون وقيادات إدارية، تركوا بصمتهم في المجتمع. وهذا دليل على أن القيمة الحقيقية للتعليم لم تكن في الوسائل، بل في جدية العملية التربوية، وفي حضور قيم الانضباط والمثابرة.

هل كثرة الوسائل اليوم تعني بالضرورة جودة أعلى؟، الواقع يكشف أن تعدد الوسائل والمناهج الحديثة لم يؤدِّ تلقائيًا إلى تحسن المخرجات. بل إن التقارير الدولية (مثل اختبارات PISA وTIMSS ) تظهر أن مستويات القراءة والرياضيات والعلوم لدى تلاميذنا لا تزال ضعيفة مقارنة بدول أقل استثمارًا في الوسائل التربوية. وهذا يدعو إلى التساؤل: أين الخلل؟

كما أن المدرس في الماضي كان يجمع بين المعرفة والهيبة، يربي ويُعلّم في آن واحد. أما اليوم، فكثير من الأساتذة – رغم توفر الأدوات – يجدون أنفسهم مقيدين بإجراءات تحدّ من سلطتهم داخل القسم، مما يضعف قدرتهم على ضبط الفصول وتحقيق نتائج فعّالة.

في الماضي، كانت المدرسة رمزًا للأمل الجماعي، والأسرة تُعلّم أبناءها أن التفوق الدراسي هو السبيل الوحيد للصعود الاجتماعي. أما اليوم، فبات جزء من التلاميذ يرى أن النجاح لا يمر عبر التعليم بالضرورة، بل عبر طرق مختصرة كالهجرة أو الشهرة في الرياضة والفن، وهو ما يعكس أزمة ثقة مجتمعية في المدرسة كمصعد اجتماعي.

إن المقارنة بين التعليم في الأمس واليوم ليست مجرد حنين عاطفي إلى «زمن جميل مضى»، وليست أيضًا دعوة لرفض كل ما هو حديث. بل هي محاولة لطرح سؤال جوهري: هل نحن نتقدم فعلاً في التعليم، أم أننا نكرر الأخطاء بأشكال جديدة؟.
لقد أظهر الماضي أن البساطة لم تكن عائقًا أمام جودة التعليم، بل على العكس، ساهمت في تكوين أجيال حملت قيم الانضباط والاجتهاد والاعتماد على النفس. وفي المقابل، يكشف الحاضر أن كثرة الوسائل وتنوع المناهج لم تؤدِّ بالضرورة إلى تعليم أفضل، بل ربما زادت الوضع تعقيدًا بفعل التسرع في الإصلاحات وغياب الاستقرار التربوي.
لكن الإنصاف يقتضي أن ندرك أن لكل زمن تحدياته. فالتعليم في الماضي كان يخدم مجتمعًا أكثر بساطة وأقل تعقيدًا، بينما تعليم اليوم يواجه تحديات العولمة والتكنولوجيا وسوق عمل متغير باستمرار. ومن هنا، لا يكفي أن نكتفي بالحنين إلى الماضي أو الانتقاد للحاضر، بل لا بد من دراسة ميدانية علمية تكشف بدقة ما الذي تحقق وما الذي لم يتحقق، وما هي مواطن الخلل الحقيقية في منظومتنا التعليمية.
فالحنين وحده لا يُصلح التعليم، كما أن الوفرة المادية لا تصنع الجودة. ما نحتاجه هو إرادة إصلاحية صادقة تعيد الاعتبار للمدرسة كفضاء لتكافؤ الفرص، وللمدرس كركيزة أساسية في البناء التربوي، وللتلميذ كمحور العملية التعليمية.

التعليقات مغلقة.