الانتفاضة
بقلم محمد السعيد مازغ في ساحة مولاي الحسن بمدينة الصويرة، حيث يمتزج صوت أمواج البحر الملتطمة بالصخر خلف مقهى العشور ، وبحفيف الموسيقى التي تجذب إليها الجموع ، ينبض “مقهى البشير” في زاوية منعزلة كملاذ دافئ في سطور رواية شيقة . لا لوحة براقة تضيء ، ولا أثاث فاخر يبهر، لكنه يظل حاضراً لا يغيب عن العين ولا تخطئه الذاكرة
حين تقترب من المقهى، تفوح رائحة الحريرة الساخنة ممزوجة بنكهة المسمن والحرشة. وعلى الطاولات الخشبية المتناثرة بعشوائية محبّبة، تجد فناجين القهوة، وكؤوس “أتاي مشحر” تُقدَّم بسخاء مغربي لا يتغيّر. لكن ما يمنح المكان نبضه الحقيقي، ليس ما يُقدَّم من مشروبات وعصائر ، بل في سحر المكان وطبيعته .
في الواجهة، يقف البشير ببسمته الدائمة، يحيّي الزبائن كما لو كانوا أصدقاء قدامى، بينما أخوه، الرجل الوقور، يتنقل بهدوء بين الطاولات، يتابع كل التفاصيل بعين لا تغفل. تناغم بين الأخوين لا يحتاج إلى كلام، بل يكفي أن تنظر إليهما لتفهم سرّ الراحة التي تسكن المكان.
يقول البشير: “عندي زبائن من كل المستويات، من رجال السلطة، مثقفين، شعراء وسياسيين ، حتى فنانين كبار ورجال أعمال … كيختاروا هذا المكان ، بحالهم بحال الناس كاملين. ما كايتبدلوش، ما كايقلبوش على بلاصة أخرى، وهذا شرف ليا.”
ثم يضيف بثقة: “هؤلاء الناس أبناء الشعب وخدام الوطن. رغم مناصبهم الحساسة ومكانتهم الاجتماعية، فهم أهل تواضع، يستأنسون بالأجواء البسيطة والنكهة الأصيلة. ثم هناك رضا الوالدين، حسن الاستقبال، والبسمة اللي كتخرج من القلب.”
ليس نادرًا أن تجد في الساحة فرقة موسيقية تُجرب مقامًا جديدًا، أو سائحًا يرقص وسط حلقة شعبية تشكلت بعفوية. الوجوه تختلط، اللغات تتداخل، ولا أحد يُشعرك بأنه “غريب”. هذا هو السحر الصويري حين يُقدَّم في طبق من البساطة.
وقد يكون هذا أحد العوامل التي تشد اليها الزبائن للجلوس ، ب”مقهى البشير” بحكم موقعه المتفرد على هامش ساحة مولاي الحسن، في زاوية هادئة تمنح الجالس فيه رؤية بانورامية للساحة ولما تزخر به من فنون وأنشطة.
التعليقات مغلقة.