الانتفاضة // الدكتور: محمد الطاهيري
تأكد لي البارحة ليلا في لقاء جمعني بأحبة كرام من العاملين لهذا الدين أن الجميع متفقون على أن خلاصنا في القرآن، غير أن السؤال الذي بقي معلقاً بيننا هو: كيف ننتفع به حق الانتفاع؟ وكيف نُقبل عليه بما يحيي القلوب ويبدل الأحوال؟
وما هي إلا ساعات حتى يسّر الله لي الاستماع بتركيز عميق إلى درس نفيس لأستاذي فريد الأنصاري رحمه الله، فإذا به يضع بين يدي جواباً شافياً، لم يزد فيه على كلمة واحدة لكنها كانت مفتاحاً لكل الأبواب، وهذه الكلمة هي: التلقي.
وإليكم البيان:
استدل أستاذي رحمه الله بآيتين عظيمتين، الأولى هي قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾، والثانية: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾، فذكر رحمه الله أن السياق يخبرنا أن النبي ﷺ كان مهيأً لتلقي القرآن؛ كما قال تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾، أي كان قلبه عطشاً يبحث عن النور متلهفاً إليه كما تتشقق الأرض القاحلة لقطرة ماء وكذلك آدم عليه السلام لما نزل من الجنة مثقلاً بالحزن والذنب، كان عليه الصلاة والسلام يتلمس الدواء لدائه، يبحث عن مخرج لذنبه الذي به هبط من الجنة، فأنزل الله عليه كلمات فكانت شفاءً ورحمة.
إذن فالتلقي حالة قلبية قبل أن يكون قراءة لسان؛ عطشٌ روحي وتلهف داخلي واستعداد لأن يُروى القلب من معين السماء. وفي ذلك يقول تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَـٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. وتأمل قوله عز وجل: ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان، أي ما كان يعرف النبي صلى الله عليه وسلم قبل نزول القرآن عليه شيئاً من انواره وهداه، بل كان مفتقراً محتاجاً إلى كل ذلم، ثم جاءه هذا القرآن فأحياه، وبه هُدي إلى الصراط المستقيم، فإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم محتاجاً إلى التلقي، فكيف بنا نحن؟
ثم يأتي التصريح: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾، وثقيلا هنا ليست بمعيار الأوزان، بل بثقل المعاني والأسرار، لأن القول هنا هو وحي الله، وهو كلامٌ من عالم آخر، يحمل أنواراً وإعجازاً لا تنفد، بل حتى لو كان البحر مداداً والأشجار أقلاماً، لن تنفد كلمات الله، وقد عبّر سيدنا الخضر لموسى عليهما السلام حين أشار إلى الطائر الذي غمس منقاره في البحر فأخذ منه قطرةً: ما علمي وعلمك ياموسى من علم الله إلا كهذه القطرة أمام ذلك البحر، فكيف بكلام الله الذي جمع الحقائق كلها؟
لكن هل كل إنسان يدرك هذا الثقل؟ الجواب للاسف: لا.
ولهذا فبقدر صفاء قلب الإنسان وصدق نيته يُفتح له من أنوار القرآن ما يرفع شأنه ودرجاته، حتى يرى بنور الله ويسمع بسمعه. أما القلوب المريضة فهي كآلة متسخة تتعطل عن العمل، أعين ترى لكنها لا تبصر و آذان تسمع ولكنها لا تعي و قلوب تنبض ولكن بدون حياة، وهذا هو الران الذي يغطي القلوب بالذنوب، والقرآن هو القادر على غسلها، وهو النور الذي يزيل الغبار عن ارواحنا وجوارحنا ويعيد للحياة في ذواتنا صفاءها، ولذلك طلب منا ربنا ان لا نغفل عنه: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
ثم يذكر أستاذي رحمه الله أن القرآن نزل نزولين، نزول أول من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا جملةً في ليلة القدر، ونزول ثانٍ من السماء الدنيا إلى الأرض مفرقاً، بحسب الوقائع والحوادث، على مدى ثلاثٍ وعشرين سنة: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾. وهاهنا يا صاح تأمل الفرق، في الأول قال: أنزلناه، وفي الثاني قال: نزّلناه.
إن تغيير الحرف أو الحركة في القرآن ليس عبثاً، بل فيه دلالة على معنى عميق، وخذ لك مثالا قوله عز وجل: يطهُرن أي ينقطع عنهن الدم، ويتطهّرن أي يغتسلن، فهذا يعلمنا أن كل كلمة في القرآن لها موقعها ولا يجوز أن نمر عليها مرور العابرين.
ولهذا لم يكن القرآن ينزل ليُحفظ في عام أو عامين وينتهي الأمر، بل كان ينزل مفرقاً ليُعاش ويُعمل به، وقد كان الصحابي لا يتجاوز عشر آيات حتى يتعلمها ويحفظها ويطبقها، فالغاية إذن ليست جمع الحروف، وإنما تشرب المعاني حتى الارتواء.
إن القرآن خلاصنا يا أحبة، لكنه لا يُعطي كنوزه إلا لمن يقبل عليه بمنهج التلقي: قلب عطشان ونفس متلهفة واستعداد للانقياد، عندها تعود الروح إلى الجسد والنور إلى البصيرة والحياة إلى القلب.
والحمد لله رب العالمين.
التعليقات مغلقة.