الانتفاضة/ نورالدين الناصري
من السهل أن نبحث عن شماعة بعد كل هزيمة، ونعلق الفشل على المال أو السلطة أو الإدارة ، لكن الحقيقة التي يجب أن تقال اليوم بشجاعة، تتجاوز منطق الربح والخسارة الظرفي، لتلامس بنية الحقل السياسي المحلي.
سقوط ابن المنطقة في الانتخابات البرلمانية الأخيرة لا يمكن فهمه كحدث انتخابي معزول، بل يجب قراءته كظاهرة اجتماعية مركبة، بمنطق ما يسميه بيير بورديو “الحقل السياسي” وصراعاته الرمزية والمادية.
أولا: من منطق التمثيلية إلى منطق التفتيت.. نحن من صنعنا الهزيمة
ما حدث ليس هزيمة انتخابية عادية، بل هو تجلٍ صارخ لما تسميه السوسيولوجيا السياسية “تفتيت الكتلة الناخبة”.
المقعد البرلماني الذي كان في حوزة المنطقة لم يسقط بفعل قوة المنافسين، بل بفعل هندسة داخلية مدبرة ، كان نتيجة توافقات وتوزيع للأدوار ساهمت فيه فعاليات محلية تحت تلوينات حزبية .
وأنا أقولها بكل مسؤولية تاريخية وأخلاقية ، كنت ممن شارك في هذا التوزيع ، نحن من شتتنا الكتلة الناخبة الصلبة، وفتحنا الباب لمنافسين لم يكن لهم أي وزن سياسي أو حتى صدى في المنطقة ، خلقنا منافسة وهمية في الداخل، فخسرنا المعركة الحقيقية في الخارج ، هذه هي أولى مخرجات التحليل: الهزيمة كانت ذاتية قبل أن تكون موضوعية.
وكيما كيقول المثل الشعبي الدقيق “إذا تفرقوا الخرفان، ساكها الذيب”.
ثانيا: عندما يهزم الخاص العام.. الرأسمال الشخصي الممزق
ثم هناك العامل الثاني، وهو الظروف الشخصية والعائلية للمرشح ، وهنا نستحضر ما يسميه ماكس فيبر “صراع القيم” بين الالتزام الأسري والطموح السياسي.
ابن المنطقة دخل غمار الانتخابات و “رأسماله الاجتماعي الأول” – أي عائلته ومحيطه القريب غير مرتب ، كان هناك سوء تفاهم كبير داخل الوسط الأسري حول توقيت الترشح وجدواه. وهذا الشرخ الداخلي يفسر فقدانه لـ “الفعالية الرمزية” يوم الاقتراع ، فالناخب القروي بذكائه الفطري، يقرأ تماسك العائلة قبل أن يقرأ برنامج المرشح. إذا كان البيت الداخلي منقسما، فكيف سيقنع الناخب بوحدة المشروع؟
ثالثا: منافسون بلا مشروع.. سياسة الزبونية والعنف الرمزي
أما عن منافسيه، فيمكن قراءتهم من خلال مفهوم “الزبونية السياسية” و “السياسة بلا سياسة”.
هؤلاء وجوه انتخابية موسمية تمارس ما يمكن تسميته بـ “الانتهازية الانتخابية”. لا يملكون “مشروعا مجتمعيا”، لا برنامج مكتوب، لا رؤية تنموية، لا مرجعية فكرية، رأسمالهم الوحيد هو “خطاب المظلومية” و “العنف الرمزي” وتصفية حسابات شخصية قديمة.
هدفهم لم يكن خدمة الناس بقدر ما كان إسقاط ما يسمونه هبل المنطقة، وتأكيد مكانتهم في توجيه الرأي العام المحلي ، وهذه هي السياسة في أسوأ تجلياتها، يعني أن تتحول من تدبير للشأن العام إلى أداة للانتقام الخاص.
رابعا: مفارقة سوسيولوجية.. سقوط برلماني لا يعني موتا سياسيا
وهنا نصل للمفارقة السوسيولوجية الكبرى التي يغفل عنها الكثيرون ، فسقوطه في البرلمان لم يضعف قوته على الصعيد المحلي نهائيا، بل قد يكون قواها ، وقد يحي عواطف الناس خصوصا في ظل غياببديل في مستوى البرلماني السابق ، فالحاضنة الشعبية له نومتخلال هذه الإستحقاقات ولم تبلي بلاء كما كان متوقعا ، إخترات النأي بالنفس . وهذا ما قد نفسره بالتمييز الدقيق بين “المشروعية البرلمانية المؤقتة ” و “المشروعية الشعبية الحاضنة “.
قد يكون فقد الأولى، وهي مشروعية مؤقتة مرتبطة بولاية، لكنه مازال يملك الثانية بامتياز، وهي مشروعية يومية، ميدانية، مبنية على كل أساليب الهيمنة .
المعني بالأمر مازال يملك الأغلبية الساحقة من الكتلة الناخبة الحقيقية، ومازال يملك “الرأسمال الرمزي” في المنطقة، وكما كيقول المثل: “الجمل وإن طاح، حملو كبير”.
وفهو مايزال مستمرا في رئاسة جماعة أبادو، وهي “المؤسسة القاعدية” التي تنتج “الشرعية اليومية” ، البرلمان قبة بعيدة وأدوارها ما تزال في غيبات الجب، أما الجماعة فهي الشارع والماء والوثيقة والتوقيع.
خامسا: مربط الفرس.. أزمة البديل
وهذا هو أخطر ما في الموضوع، وهو ما نسميه في سوسيولوجيا الفكر السياسي بـ “أزمة البديل” ، السؤال الحقيقي ليس لماذا سقط ابن المنطقة؟ بل السؤال الجوهري هو من هو البديل؟
وهنا تظهر الكارثة البنيوية ، المنطقة اليوم تعيش حالة فراغ سياسي بنيوي فعندما تسقط تجربة، ولو كانت حصيلتها متواضعة، ولا تجد أمامك إلا الفراغ، فأنت أمام أزمة بديل حقيقية ، وهذا ما يسميه المفكر عبد الله العروي أزمة المثقف والسلطة ،حيث لا توجد نخبة قادرة على حمل المشروع وتجاوزه.
الذين نافسوا اليوم لا يقدمون أنفسهم كبديل لما هو معاش ، لكون البديل في الفكر السياسي هو من يأتي بمشروع جديد، بتصور جديد للتنمية، بـبراديغم جديد يتجاوز القديم ، هؤلاء لا يملكون إلا خطاب المظلومية والانتقام ، هم ليسوا بديلا، هم مجرد رد فعل ظرفي.
وهنا نستحضر مقولة أنطونيو غرامشي الخالدة “القديم يحتضر والجديد لم يولد بعد، وفي هذه الفجوة تظهر الوحوش”. هذه الوحوش هي هذه الوجوه التي لا مشروع لها سوى التشفي.
أزمة البديل تعني أن المنطقة قد تخرج من سيطرة شخص كانت حصيلته ضعيفة، لتدخل في سيطرة من لا حصيلة له أصلا ، البديل الحقيقي يبنى على “التراكم” لا على “القطيعة الانتقامية”
البديل هو من يهندس الجماعات المحلية الثلاثة كمكتسب ديمقراطي، ويضيف لها بعدا برلمانيا، وليس من يريد هدم كل شيء ليبدأ من الصفر بمشروع فارغ.
سادسا: الخطر القادم.. من الهامش إلى حلم الهيمنة
هؤلاء المنافسون سيكونون أخطر على المنطقة إن توفرت لهم الظروف وحققوا حلم السيطرة السياسية الكاملة، اليوم خسروا مقعدا برلمانيا عن طريق التفتيت، وغدا سيطمحون لرئاسة الجماعات الثلاث .
إن تحقق لهم ذلك، فستدخل المنطقة في مرحلة القطيعة مع منطق ما كان وستسود عقلية الغنيمة وتوزيع المصالح ، وكما كيقول المثل الشعبي: “إذا كبر الفار، كيولي يخرب الدار”.
المخرجات والخلاصات: دروس من السقوط
الخلاصة الأولى:
تشخيصية، فالسقوط لم يكن سقوط شخص، بل كان سقوطا استراتيجيا. العامل الحاسم لم يكن قوتنا كخصوم مفترضين ، بل ضعف تدبير المعني بالامر ومساعدته على تفتيت الكتلة الناخبة ، والاعتراف بهذه الحقيقة هو أول خطوة لما هو آت.
الخلاصة الثانية:
وهي سياسية ، فهناك فرق كبير بين خسارة معركة وخسارة الحرب ، فالمقعد البرلماني معركة، أما رئاسة الجماعات وخصوصا أبادو والالتفاف الشعبي فهي الحرب الحقيقية ، من يملك القاعدة يملك المستقبل ، البرلمان يذهب ويأتي، أما الشرعية الشعبية فهي التي تبقى.
الخلاصة الثالثة:
وهي فكرية ، لأن أزمة المنطقة اليوم ليست أزمة تمثيلية برلمانية، بل هي أزمة بديل نخبوي ، فالفراغ الذي نعيشه هو أخطر من السقوط نفسه ، لأن الفراغ يسمح للرداءة بأن تقدم نفسها كبديل.
المطلوب اليوم ليس البكاء على المقعد الضائع، بل العمل على ثلاثة مستويات:
1. إعادة ترتيب البيت الداخلي:
تجاوز الخلافات وإعادة بناء الرأسمال الاجتماعي الأول.
2. توحيد الكتلة الناخبة:
القطع نهائيا مع منطق التفتيت والتوزيع العشوائي، والذهاب بمرشح واحد موحد في الاستحقاقات القادمة.
3. تحصين غجدامة :
التركيز كل التركيز على تدبير الجماعات الثلاثة ، لأنها هي صمام الأمان الوحيد أمام حلم الهيمنة الكاملة للمنافسين على الصعيد الإقليمي ، وهي الدليل المادي الوحيد على أن المشروعية الاجتماعية أقوى من المقعد البرلماني العابر.
سقط المقعد، وبقيت غجدامة ، وسقوط المقعد قد يكون هو نفسه بداية استعادته، إذا فهمنا الدرس.