جرائم الأموال في ظل قانون المسطرة الجنائية الجديد… الإحالة المؤسساتية وإعادة ضبط الحكامة الجنائية

0

الانتفاضة / رشيد حبيل

تكتسي الجرائم الماسة بالمال العام خصوصية داخل السياسة الجنائية، بالنظر إلى أن محل الحماية الجنائية فيها يتجاوز المصلحة المالية الفردية إلى صيانة الذمة المالية للدولة والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية، وضمان انتظام المرافق العمومية وسلامة التصرف في الموارد المخصصة لتحقيق المنفعة العامة. ولذلك فإن معالجة هذا النوع من الجرائم لا تستقيم بمنطق الزجر وحده، وإنما تقتضي الجمع بين الرقابة والافتحاص والتوثيق والإحالة والتحقيق والتكييف والإثبات وترتيب المسؤولية، ضمن تسلسل إجرائي يحترم اختصاص كل مؤسسة وحدود تدخلها.

وفي هذا الإطار جاء القانون رقم 03.23 المغير والمتمم للقانون رقم 22.01 المتعلق بالمسطرة الجنائية، فأدخل تعديلات ذات أهمية خاصة على المادة 3، خصوصاً فيما يتعلق بالجرائم الماسة بالمال العام. وقد أقام المشرع لهذه الجرائم مساراً إجرائياً خاصاً، يربط إجراء الأبحاث وإقامة الدعوى العمومية بطلب من الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بصفته رئيساً للنيابة العامة، بناء على إحالة أو تقرير صادر عن الجهات والمؤسسات التي حددها القانون، مع استثناء حالة التلبس. وتكمن أهمية هذا المقتضى في أنه يعيد تحديد نقطة الانطلاق الإجرائية للبحث الجنائي في الجرائم المالية، دون أن ينقل الاختصاص القضائي في التكييف والإثبات والحكم إلى أجهزة الرقابة.

فالقاعدة التي أقرها المشرع في المادة 3 تحتاج إلى التمييز بين ثلاثة مستويات متداخلة، وإن كانت مختلفة من حيث الوظيفة القانونية: مستوى اكتشاف الاختلال، ومستوى تحريك المسار الجنائي، ثم مستوى إثبات الجريمة وترتيب المسؤولية. وقد تختلط هذه المستويات في الممارسة إذا اعتُبر التقرير الرقابي دليلاً حاسماً بذاته، أو إذا عُدَّ الاختلال المالي جريمة بمجرد ثبوته في وثيقة افتحاص. والحال أن القانون الجنائي يقوم على مبدأ شخصية المسؤولية، ولا تتحقق المسؤولية الجنائية إلا بقيام العناصر القانونية للفعل الجرمي ونسبته إلى شخص معين وفق القواعد المسطرية والإثباتية المقررة قانوناً.

ومن هنا تظهر القيمة الإجرائية للإحالة المؤسساتية. فالمشرع لم يجعل الهيئة الرقابية جهة حكم، وإنما جعل إحالتها أو تقريرها، في الحالات التي حددها النص، أساساً لفتح الطريق أمام البحث الجنائي. وهذه التفرقة ذات أثر بالغ؛ لأن التقرير قد يكشف عن اختلال في تنفيذ صفقة أو تدبير نفقة أو استعمال اعتماد أو تدبير ملك عمومي، غير أن الكشف عن الاختلال شيء، وإثبات الجريمة شيء آخر. الأول وظيفة رقابية، والثاني وظيفة قضائية. وكأن التقرير يضع الواقعة تحت الضوء، ثم تأتي المسطرة الجنائية لتفحصها من جميع جوانبها قبل أن تنسب إليها وصفاً جرمياً.

وقد حددت المادة 3 الجهات التي يمكن أن تنطلق منها هذه الإحالة أو التقارير، فأشارت إلى المجلس الأعلى للحسابات، والمفتشية العامة للمالية، والمفتشية العامة للإدارة الترابية، والمفتشيات العامة للوزارات، والإدارات المعنية، والهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، فضلاً عن كل هيئة يمنحها القانون صراحة هذه الصلاحية. ويكشف هذا التعداد عن إرادة تشريعية في إسناد وظيفة أولية في رصد الجرائم المالية إلى مؤسسات تتوفر، بحكم اختصاصها، على أدوات الفحص المحاسبي والمالي والإداري والتدقيقي، بما يسمح بإحاطة الملف بمعطيات متخصصة قبل ولوجه إلى المجال الجنائي.

غير أن هذا التنظيم لا يعني أن المشرع جعل التقرير الرقابي حجة قاطعة على ارتكاب الجريمة. فالإحالة إجراء، والتقرير وثيقة، والمتابعة قرار إجرائي، أما الإدانة فنتيجة قضائية لا تقوم إلا بعد ثبوت الجريمة وفق القانون. وهذه الحدود ضرورية في جرائم الأموال على وجه الخصوص، لأن الوقائع المالية قد تكون معقدة ومتعددة الأطراف، وقد ينتج الاختلال عن خطأ في التقدير أو قصور إداري أو مخالفة مالية أو إخلال تعاقدي، دون أن يستجمع بالضرورة الأركان المكونة لجريمة جنائية. ولذلك فإن الانتقال من الرقابة إلى القضاء يحتاج إلى تكييف قانوني دقيق، يحدد النص المطبق والفعل المادي والعنصر المعنوي والفاعل أو المساهم أو المشارك والضرر والرابطة السببية، بحسب طبيعة الجريمة موضوع البحث.

وتزداد أهمية هذا التمييز في مجال الجماعات الترابية، حيث تتوزع العملية المالية بين مستويات متعددة من القرار والتنفيذ والمراقبة. فقد تتعلق الواقعة بصفقة عمومية، أو أشغال، أو توريدات، أو تدبير عقار أو ملك جماعي، أو أداء نفقة، أو تنفيذ مشروع. وفي كل حالة لا يكفي إثبات وجود فارق مالي أو خلل مسطري للقول بقيام المسؤولية الجنائية في حق شخص بعينه. ينبغي الرجوع إلى الاختصاص القانوني، وتحديد من اتخذ القرار، ومن نفذه، ومن صادق عليه، ومن كان ملزماً قانوناً بالمراقبة، ثم فحص ما إذا كان السلوك المنسوب إلى كل شخص يدخل في نطاق نص تجريمي محدد.

ولهذا السبب لا يمكن مساواة المسؤولية السياسية أو الإدارية أو المالية بالمسؤولية الجنائية. فقد يرتب القانون آثاراً على مخالفة قواعد التدبير أو الصفقاتص أو المحاسبة دون أن تكون الواقعة، بمجردها، جريمة. وفي المقابل قد تتحول المخالفة إلى فعل جنائي متى ثبتت العناصر التي يتطلبها النص الزجري. وهذه المسافة بين المجالين هي التي تحمي مبدأ الشرعية الجنائية من التوسع غير المنضبط، وتحول دون جعل كل تعثر في التدبير العمومي قرينة على وجود جريمة.

ويكتسب مبدأ شخصية المسؤولية هنا أهمية مضاعفة، خصوصاً بالنسبة إلى الآمرين بالصرف ورؤساء الجماعات والموظفين والمتدخلين في تنفيذ العمليات المالية. فالصفة الوظيفية لا تكفي وحدها لقيام المسؤولية الجنائية، كما أن التوقيع على وثيقة لا يعني تلقائياً تحقق الفعل الجرمي، وإنما يتعين تحديد طبيعة التوقيع، ومدى الاختصاص، والعلم بالوقائع، والسلطة الفعلية في اتخاذ القرار، والعلاقة بين السلوك والنتيجة، ثم مدى انطباق النص الجنائي. وبهذا المعنى، فإن القضاء الجنائي لا يحاكم الوظيفة وإنما يحاكم الفعل المنسوب إلى صاحبها وفق القانون.

وفي هذا السياق تبرز حالة التلبس باعتبارها استثناءً صريحاً من المسار الإجرائي الخاص الذي قررته المادة 3. فقد أجاز المشرع للنيابة العامة المختصة إجراء الأبحاث وإقامة الدعوى العمومية تلقائياً في الجرائم الماسة بالمال العام إذا تعلق الأمر بحالة التلبس. وتستند هذه الاستثناءات إلى طبيعة التلبس التي تقوم على وجود الجريمة في حالة مشاهدة أو ضبط وفق الشروط التي يحددها القانون، بما يفرض تدخلاً سريعاً للمحافظة على الأدلة ومنع العبث بوسائل الإثبات. فلو كان الدليل معرضاً للزوال خلال ساعات، فإن انتظار الإجراءات العادية قد يفرغ الحماية الجنائية من فعاليتها؛ ولذلك فتح المشرع في هذه الحالة باب المبادرة المباشرة أمام النيابة العامة المختصة.

وإذا كانت المادة 3 تحدد بوابة تحريك الدعوى العمومية في الجرائم الماسة بالمال العام، فإن المادة 7 تضيف بعداً آخر يتعلق بالحقوق المدنية الناتجة عن الجريمة. فقد قررت حق كل من أصابه شخصياً ضرر جسماني أو مادي أو معنوي تسببت فيه الجريمة مباشرة في إقامة الدعوى المدنية للتعويض وفق الشروط القانونية، كما أجازت للدولة والجماعات الترابية التقدم بصفتها طرفاً مدنياً للمطالبة برد المبالغ التي سبق دفعها لموظفين أو لذوي حقوقهم وفقاً للقانون الجاري به العمل.

وتظهر أهمية المادة 7 في أنها تمنع اختزال حماية المال العام في العقوبة الجنائية. فالجريمة، متى ثبتت شروطها، قد تترتب عنها آثار زجرية، غير أن الضرر المالي يحتاج كذلك إلى آلية لجبره واسترداد الحقوق. ولذلك فإن الدعوى المدنية التابعة تؤدي وظيفة مختلفة عن الدعوى العمومية؛ فالدعوى العمومية تستهدف ترتيب الأثر الجنائي، بينما تتجه الدعوى المدنية إلى جبر الضرر أو استرداد الحقوق المالية وفق الحدود التي يرسمها القانون. وهذا الفصل الوظيفي يجعل الحماية أكثر دقة، لأن الجزاء الجنائي والاسترداد المالي لا يؤديان الوظيفة القانونية نفسها.

ومن هذه الزاوية تتضح العلاقة بين المادتين 3 و7. فالمادة 3 تضبط مرحلة الدخول إلى المسار الجنائي بالنسبة إلى الجرائم الماسة بالمال العام، بينما توفر المادة 7 إطاراً قانونياً لمعالجة جانب من آثار الجريمة على المستوى المدني. الأولى تتصل بالبحث والمتابعة، والثانية تتصل بالتعويض والاسترداد. وبينهما توجد مرحلة مركزية لا يمكن تجاوزها، وهي مرحلة إثبات الجريمة ونسبتها إلى مرتكبها وفق الضمانات القانونية.

وتتصل هذه المنظومة بمفهوم الحكامة اتصالاً مباشراً، لأن الحكامة المالية لا تتحقق بمجرد وجود أجهزة رقابية، وإنما بوجود مسار واضح للمسؤولية والمراقبة والتوثيق والمساءلة. فالقرار المالي العمومي ينبغي أن يكون قابلاً للتتبع، والاختصاص ينبغي أن يكون قابلاً للتحديد، والوثيقة ينبغي أن تكون قابلة للفحص، والمسؤولية ينبغي أن تكون قابلة للإسناد. وكلما كانت حلقات التدبير واضحة، أصبح الانتقال من المعلومة الرقابية إلى التقييم القضائي أكثر انضباطاً. أما حين تتداخل الاختصاصات وتتعدد التوقيعات دون تحديد للوظائف، فإن البحث عن المسؤولية الشخصية يصبح أكثر تعقيداً.

ولهذا يمكن فهم المقتضى الجديد للمادة 3 باعتباره تنظيماً لمسار الإحالة أكثر من كونه نقلاً للاختصاص القضائي. فالمشرع وضع للجرائم الماسة بالمال العام قناة مؤسساتية محددة، لكنه أبقى للنيابة العامة اختصاصاتها القانونية، وللقضاء سلطته في التكييف والتقدير والحكم. فالرقابة لا تتحول إلى متابعة، والتقرير لا يتحول إلى حكم، والإحالة لا تتحول إلى إدانة. وكل مرحلة تحتاج إلى سندها القانوني الخاص.

وتزداد أهمية هذا الأمر عند معالجة الشكايات المتعلقة بتدبير الجماعات الترابية. فالشكاية قد تتضمن وقائع جدية، وقد تكشف عن مؤشرات مالية أو إدارية تستوجب الفحص، لكنها في حد ذاتها لا تثبت الجريمة. وفي الجرائم التي أخضعها المشرع للمسطرة الخاصة، يتعين احترام القناة الإجرائية التي حددتها المادة 3، مع بقاء حالة التلبس خاضعة للاستثناء الذي أورده النص. وهنا تتحول الحكامة إلى آلية للفرز القانوني: ما هو اختلال إداري يعالج في مجاله، وما هو نزاع مالي يوجه إلى مساره، وما يستجمع عناصر الجريمة ينتقل إلى المجال الجنائي وفق الشروط المحددة قانوناً.

كما أن هذا التنظيم يحافظ على التوازن بين فعالية مكافحة جرائم الأموال وضمانات المحاكمة العادلة. فمكافحة الفساد والاعتداء على المال العام تتطلب أجهزة رقابة فعالة ومساطر واضحة، لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى احترام الشرعية، وحقوق الدفاع، وقرينة البراءة، وصحة الإجراءات، وسلامة التكييف. وقد ختمت المادة 3 مقتضياتها المتعلقة بممارسة الدعوى العمومية بالتأكيد على مبادئ الحياد وصحة وشرعية الإجراءات المسطرية والحرص على حقوق الأطراف، وهو ما يضع الفعالية الجنائية داخل إطار الشرعية لا خارجها.

وعليه، فإن القانون 03.23 يقدم في مجال جرائم الأموال تصوراً إجرائياً يقوم على تمييز الوظائف وتدرج المسؤولية: جهاز الرقابة يفحص ويرصد ويوثق، والجهة المختصة تحيل وفق الشروط القانونية، والنيابة العامة تباشر اختصاصها داخل الإطار التشريعي، والقضاء يتولى التكييف وفحص الأدلة وترتيب المسؤولية، بينما تتيح المادة 7 المجال لمعالجة الضرر المالي وفق قواعد الدعوى المدنية التابعة. وهذه السلسلة لا تستقيم إلا إذا حافظت كل حلقة على حدودها القانونية.

ومن ثم، فإن قيمة المستجد التشريعي تكمن في جعل المسار الجنائي لجرائم الأموال أكثر ارتباطاً بالمعطى الرقابي المتخصص، مع إبقاء المسؤولية الجنائية رهينة بثبوت عناصرها أمام القضاء. فحماية المال العام تحتاج إلى رقابة تكشف الاختلال، وإحالة تفتح المسار القانوني، وبحث يثبت الوقائع، وتكييف يحدد الوصف الجرمي، وقضاء يقرر المسؤولية على أساس الأدلة والقانون. وبهذا المعنى تصبح الحكامة جزءاً من البناء الإجرائي لحماية المال العام، وتغدو المسطرة الجنائية الإطار الذي يفصل بدقة بين مجرد الاختلال وبين الجريمة، وبين الشبهة وبين الإثبات، وبين الوظيفة والمسؤولية الشخصية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.