الانتفاضة/ ابراهيم أغراس
في رحامنة السياسة، حيث تتقاطع الذاكرة مع الحاضر، وتختلط التحالفات بالحسابات الانتخابية، تبدو عودة الحركة الشعبية إلى صدارة المشهد أشبه بعودة اسم قديم إلى مسرح ظل طويلا بعيدا عن الأضواء. فالحزب الذي ارتبط لعقود بتاريخ المنطقة، وبحضور سياسي وانتخابي لافت، يجد نفسه اليوم أمام لحظة جديدة قد تعيد رسم خريطة التوازنات المحلية.
منذ ستينيات القرن الماضي، كانت الحركة الشعبية رقما صعبا في معادلة الرحامنة، إلى جانب الاستقلاليين، حيث ظل حضور الحزبين ممتدا داخل المؤسسات المنتخبة، من البرلمان بغرفتيه، إلى الجماعات الترابية والمجلس الإقليمي والجهة والغرف المهنية. كانت السنبلة آنذاك عنوانا لحضور سياسي وازن، وصوتا انتخابيا يصعب تجاوزه.
لكن السنوات اللاحقة حملت معها تحولات عميقة. تراجعت الحركة، وتفرقت السبل، وتغيرت الولاءات والتحالفات، وغادر المشهد عدد من الأسماء التي صنعت جزءا من تاريخ المنطقة. وكأن الرحامنة، التي كثيرا ما أُطلق عليها وصف “المنطقة التي تأكل أبناءها”، كانت تعيد ترتيب أوراقها السياسية باستمرار.
في خضم هذه التحولات، يبرز اسم الباكوري، باعتباره أحد أبناء المدرسة الحركية، وصاحب مسار سياسي ارتبط بمحطات مختلفة داخل المشهد الوطني والمحلي. فقد كان الرجل، خلال مرحلة سابقة، قائدا بالجنوب، قبل أن يختار في لحظة سياسية مفصلية ركوب الجرار، انسجاما مع رهانات مرحلة كان عنوانها الأبرز تجميع الطاقات والبحث عن صيغة سياسية قادرة على توحيد أبناء الرحامنة.
واليوم، يبدو أن الباكوري يعود إلى السنبلة، ولكن في سياق مختلف تماما. عودة تحمل في طياتها أكثر من مجرد تغيير في الانتماء السياسي؛ إنها محاولة لإحياء ذاكرة تنظيمية وسياسية كانت حاضرة بقوة في المنطقة، وإعادة الحركة الشعبية إلى فضائها الطبيعي وبين قواعدها وأبنائها.
وإذا كان المشهد الانتخابي لا يعرف ثباتا، فإن تصدر الحركة الشعبية للترتيب بعد سنوات من الغياب عن واجهة المنافسة يطرح سؤالا كبيرا: هل نحن أمام عودة عابرة فرضتها ظرفية انتخابية، أم أمام ميلاد جديد لحضور حركي قادر على استعادة أمجاده القديمة؟
الأكيد أن السياسة في الرحامنة لا تعترف بالفراغ. وحين تتغير الموازين، تعود الأسماء والأحزاب التي ظن البعض أنها غادرت إلى الأبد.
فالسنبلة التي ملأت فضاء الرحامنة صخبا وحضورا لعقود، تبدو اليوم وكأنها تستعيد أنفاسها. والباكوري، ابن المدرسة الحركية، يحاول إعادة الحركة إلى أرضها وأصحابها، في رسالة مفادها أن الأصيل قد يبتعد، وقد يتوارى، لكنه لا ينسى هويته.
وفي رحامنة لا تتوقف فيها عجلة السياسة عن الدوران، قد تكون عودة السنبلة بداية فصل جديد، عنوانه: الحركة الشعبية تعود من بوابة التاريخ لتنافس على المستقبل.