الانتفاضة//ذ.الحجوي محمد
في قلب بلاد السراغنة، حيث تلتقي أمواج التاريخ بتراب الأطلس، تقبع جماعة الفرايطة شاهدةً على عظمةٍ عمرانية وسياسية تجاوزت سبعة قرون. هذا الفضاء، الذي كان محطةً استراتيجيةً على مفترق طرق القوافل بين مراكش وتادلة وفاس، لم يكن مجرد معلمٍ عابر، بل نواةً لحضارةٍ استطاعت أن تفرض حضورها بقوة في العصر المريني، حين جعل منه السلطان أبو الحسن موقعًا للحكم والتحصين، ليصبح الفرايطة مرآةً تعكس نبض “المغرب العميق” في أزهى عصوره.
ما زالت معالم الفرايطة تنطق بصوتِ الماضي، وعلى رأسها “قصر السلطان لكحل”، ذلك الصرح العسكري الذي شُيد بأسلوب “الطابية” ـ التراب المدكوك ـ ليُشكل حاجزًا منيعًا أمام الغزاة، ويُؤمّن حركة التجارة والاتصالات بين المدن الكبرى. ولم تقتصر عبقرية البناء على الجدران الصامدة، بل تجاوزتها إلى شبكةٍ مائيةٍ فريدة، تمثلت في سواقٍ وقنواتٍ مغطاة، كانت تنقل الماء إلى القصر والمزارع المحيطة، في صورةٍ مبكرةٍ للتخطيط الهندسي المتكامل الذي يضاهي أحدث أنظمة الري في العالم اليوم.
وبعيدًا عن الجانب المادي، تُشكّل الفرايطة مختبرًا ثقافيًا مفتوحًا على تنوعٍ فريد، حيث تختلط ملامح التراث اللامادي بالحكايات الشعبية، وتتردد أصداء التبوريدة والفنون المحلية في فضاءاتها الواسعة. هذا المزيج الحي جعل منها نقطة جذبٍ للباحثين والمؤرخين، الذين يرون فيها نموذجًا للتفاعل العضوي بين الإنسان والأرض، وبين السياسة والمجتمع، في منطقة ظلت عصية على النسيان رغم تقلبات الزمن.
إن استحضار مآثر الفرايطة اليوم ليس مجرد رحلةٍ إلى الماضي، بل هو دعوةٌ مفتوحة لإعادة قراءة تاريخٍ محليٍ يختزل هوية وطنٍ بأكمله. ففي كل حجرٍ من قصرها، وفي كل قناةٍ مائيةٍ جفت أو جرى ماؤها، وقفةٌ تأملية تُذكّرنا بأن المغرب الغني بتاريخه العميق، يظل بحاجةٍ إلى من يروي حكاياه، ويصون معالمه، لتظل “الفرايطة” عنوانًا للذاكرة، ونافذةً على مستقبلٍ يُبنى على أسس الماضي العريق.