ما وراء كواليس دور رعاية المسنين بالمغرب: معاناة خفية وأسئلة حول جودة الرعاية

بين تحديات الإيواء وضرورة توفير رعاية تحفظ الكرامة الإنسانية

0

الانتفاضة/ فاطمة الزهراء صابر

في وقت يشهد فيه المغرب ارتفاعا تدريجيا في عدد الأشخاص المسنين، برزت دور البر والإحسان كإحدى المؤسسات الاجتماعية التي تستقبل كبار السن الذين وجدوا أنفسهم خارج دائرة الرعاية الأسرية أو في مواجهة ظروف اقتصادية صعبة. وبين الدور الإنساني الذي تؤديه هذه المراكز والإكراهات التي تواجهها على أرض الواقع، يظل سؤال جودة الرعاية وظروف العيش داخلها مطروحا بقوة، خاصة مع تزايد الطلب على خدماتها سنة بعد أخرى.

تفيد معطيات رسمية حديثة بأن المغرب يتوفر على 92 مؤسسة للرعاية الاجتماعية الخاصة بالأشخاص المسنين، يستفيد من خدماتها حوالي 7900 مسن ومسنة عبر مختلف جهات المملكة. كما أن 71 مؤسسة منها متخصصة في الإيواء والتكفل الدائم، إلا أن ارتفاع عدد المؤسسات لم يكن كافيا لإنهاء الإكراهات المرتبطة بجودة التكفل، إذ ما تزال بعض المراكز تواجه تحديات تتعلق بالتجهيزات، ونقص الأطر المتخصصة، وضمان مواكبة صحية ونفسية ملائمة للنزلاء.

ورغم هذا التطور العددي، يرى متتبعون للشأن الاجتماعي أن الطلب على خدمات الرعاية يفوق العرض المتاح، خصوصا مع التحولات الديموغرافية التي يعرفها المغرب. فارتفاع متوسط العمر وتغير بنية الأسرة التقليدية ساهمت في زيادة عدد المسنين المحتاجين إلى الرعاية المستمرة، في وقت ما تزال فيه إمكانيات العديد من المؤسسات محدودة من حيث الموارد المالية والأطر المتخصصة.

ويؤكد مختصون في العمل الاجتماعي أن معاناة عدد من النزلاء لا يرتبط فقط بالحاجات المادية، بل تمتد إلى الجانب النفسي فالشعور بالوحدة والانفصال عن الأسرة وفقدان الروابط الاجتماعية يجعل كثيرا من المسنين عرضة للاكتئاب والعزلة، حتى في الحالات التي تتوفر فيها شروط الإقامة الأساسية، بالإضافة إلى سوء المعاملة التي يتعرضون لها من طرف بعض العاملين بالدار. فكم من مريض أهملت حالته الصحية حتى تعفن حرفيا، وكم من نزيل جرحت مشاعره ورفست كرامته بحذاء الوساخة والدناءة بسبب معاملته كشيء دون قيمة لا كإنسان، هذا ليس بكلام حبر على ورق بل هو واقع موجود وحاصل، فما يعانيه المسنين من تجويع وإهمال وسوء معاملة واستغلال بشتى الطرق، يشيب له الولدان. وقد سبق أن أظهر تصنيف لمنظمة “HelpAge” حول رعاية المسنين في العالم احتلال المغرب المرتبة 84 عالميا ضمن الدول الأقل رعاية لهذه الفئة.

وقد أبرز مؤشر “AgeWatch” ضعف أداء المغرب في مجالات الدخل والصحة والتعليم مع محدودية التغطية الصحية للمسنين. ودعت تقارير وطنية إلى تعزيز الرعاية الاجتماعية والصحية لهذه الفئة، خاصة في ظل استمرار معاناة عدد من المسنين من الفقر والهشاشة وضعف الاستفادة من الخدمات الأساسية.

وفي نفس السياق، يرى فاعلون جمعويون أن تحسين أوضاع المسنين يتطلب مقاربة شاملة تتجاوز الإيواء إلى توفير مواكبة نفسية وصحية دائمة، وتكوين العاملين الاجتماعيين، وتعزيز آليات المراقبة والتتبع، إضافة إلى تشجيع الأسر على الحفاظ على الروابط العائلية مع كبار السن.

وتبرز بعض الحالات الميدانية حجم التحديات التي قد تواجه مؤسسات رعاية المسنين، كما هو الشأن بالنسبة لإحدى دور الرعاية المعروفة بالمدينة الحمراء، التي عادت إلى الواجهة بعض تداول شريط فيديو لفاعلة جمعوية على مواقع التواصل الاجتماعي، تضمن انتقادات حول ظروف الإقامة والرعاية الصحية والتغذية المقدمة لفائدة مئات النزلاء من المسنين والأشخاص في وضعية هشاشة.

وحسب المعطيات الواردة في الشريط، فقد تم تسجيل ملاحظات مرتبطة بالنظام الغذائي داخل المؤسسة، حيث أشارت المتحدثة إلى غياب التنوع في الوجبات المقدمة، موضحة أن الاعتماد المتكرر على بعض الأطعمة، خاصة القطاني لمدة تصل إلى خمس أيام في الأسبوع، قد يطرح إشكالات تتعلق بمدى ملاءمة التغذية للحاجيات الصحية للمسنين، خصوصا في ظل تقدمهم في السن ووجود حالات مرضية مزمنة.

كما أثار الشريط تساؤلات بشأن مستوى التكفل الصحي داخل المؤسسة التي تضم، وفق التصريحات الواردة فيه، حوالي 800 نزيل، بعد الحديث عن اقتصار حضور الطبيبة المكلفة على يوم واحد في الأسبوع، وهو ما اعتبرته الفاعلة الجمعوية غير كاف لضمان تتبع طبي مستمر لهذه الفئة التي تحتاج إلى مراقبة صحية منتظمة.وتطرقت التصريحات نفسها إلى صعوبات مرتبطة بالحصول على الأدوية في الوقت المناسب، مشيرة إلى أ، بعض النزلاء قد يواجهون تأخرا في الاستفادة من العلاجات بعد الفحوصات الطبية، الأمر الذي يزيد من تعقيد وضعيتهم الصحية، خاصة بالنسبة للأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة. كما شملت الانتقادات ظروف النظافة الرعاية الاجتماعية والنفسية، حيث تحدثت الفاعلة الجمعوية عن وجود اختلالات في بعض مرافق المؤسسة وانتشار روائح كريهة ( هذا ما يلاحظه أغلب الناس عند زيارتهم للدار)، إضافة إلى معاناة بعض النزلاء من العزلة والمشاكل النفسية المرتبطة بظروف الإقامة وضعف المواكبة الاجتماعية. بالإضافة إلى سوء تدبير المساعدات الموجهة للمؤسسة، كالصعوبات التي تواجه بعض الجمعيات والمحسنين الراغبين في الاطلاع المباشر على حاجيات النزلاء وتقديم الدعم لهم، مقابل توجيه التبرعات عبر القنوات المالية للمؤسسة، وهو ما أعاد طرح مطلب تعزيز الشفافية في تدبير الموارد المخصصة لمؤسسات الرعاية الاجتماعية.

في نهاية المطاف، تكشف أوضاع بعض دور رعاية المسنين بالمغرب أن التحدي لا يكمن فقط في توفير فضاءات للإيواء، بل في ضمان منظومة متكاملة تحفظ كرامة الإنسان في مرحلة عمرية تحتاج إلى مزيد من العناية والاهتمام. فالمسنون ليسوا مجرد مستفيدين من خدمات اجتماعية، بل فئة لها حقوق كاملة في الرعاية الصحية والنفسية والعيش في ظروف تحفظ إنسانيتها. يبقى السؤال مطروحا: إلى متى ستظل معاناة بعض المسنين خلف أبواب مغلقة، في انتظار منظومة رعاية تضع الإنسان قبل كل شيء؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.