الانتفاضة//ذ.الحجوي محمد
في زمنٍ أصبحت فيه سرعة الإنتاج هي المعيار الأوحد، وتسيطر آلات الحصاد العملاقة على مشهد الحقول، يظلّ مشهدُ “الدراس” التقليدي محفوراً في الذاكرة الفلاحية بوصفه طقساً موسمياً لا يضاهيه أيّ تطور تكنولوجي. فلكلّ ثورة صناعية ثمنٌ قد يكون خفياً، يتمثل في فقدان ذلك النسغ الإنساني الذي كان يربط الفلاح بسنابل أرضه؛ حيث تتحوّل عملية استخلاص الحبوب إلى مراسمَ جماعية، تختزل فلسفة الصبر والتواضع، قبل أن تختزل الجهد البدني.
يتجسّد جوهر هذه المراسم في “البيدر”؛ تلك الرقعة الترابية المدروسة التي تُفرد فيها السنابل الذهبية في طبقةٍ سميكةٍ، لتكون مسرحاً لرقصةٍ دورانيةٍ فريدة. فتُربط الدوابّ، من حمير وبغال، بمحورٍ خشبيٍّ ثابتٍ في وسط البيدر، لتأخذ في الدوران بشكلٍ حلزونيٍّ لا ينقطع، حاملةً على ظهورها ثقلَ المواسم، وراسمةً بحوافرها دوائرَ متداخلةً فوق المحصول. وهنا تكمن المعجزة الزراعية الخفية: فوزن الحيوان المنتظم، وخطوته المتكررة على ذات المسار، يشكّلان “مكبساً طبيعياً” يعصر السنابل برفقٍ، فيُخرج الحبوب السليمة دون أن يُفتّت التبن أو يُكسّر القشّ، على عكس ما تفعله الأسطوانات الحديدية الجافّة.
ولا تقتصر المهمة على الدواب وحدها، بل تتطلب يقظةً دائمةً من الفلاح وأهل القرية، الذين يتوزّعون أدوارهم بدقة. بينما تدور الحوافر، يمسك أحدهم بالمذراة الخشبية ليُقلب المحصول بين الحين والآخر، معيداً توزيع السنابل غير المدوسة إلى قلب الدائرة، ومُخرجاً التبن المطحون نحو الأطراف. هذا التفاعل المستمر بين الإنسان والحيوان، والحركة الدورانية الصامتة التي قد تستمرّ ساعاتٍ تحت أشعة الشمس، تُنتج ليس فقط حبوباً نظيفة، بل لحظاتٍ من التلاحم الاجتماعي، حيث تتحوّل وطأة التعب إلى بهجة جماعية، وتزهر الأحاديث بين الكبار والصغار على إيقاع خطوات الحوافر.
في المقابل، ورغم أن الآلات الحديثة تُنجز هذا العمل في دقائق معدودة وبكفاءة إنتاجية مضاعفة، إلا أنها تُفقد المحصول بركاتِ التدرّج الطبيعي. فالدراس بالدواب لا يُمرّر الحبوب عبر آلياتٍ حارقة، بل يحافظ على جودتها وحيويتها، كما يحافظ على التبن كعلفٍ طبيعيٍّ لم يتلوث بالزيوت أو الشوائب المعدنية. لكن الأهم من ذلك، هو الأثر المعنوي العميق؛ فالحنطة التي تُستخرج على وقع دوران الدائرة، تحمل في طياتها عبقَ الجهد المشترك ودفءَ العلاقة مع الأرض، وهو ما تفتقر إليه المنتجات الزراعية الصناعية التي تخرج باردةً من بطون المكابس.
في النهاية، تظلّ هذه الدائرة التي ترسمها حوافر البغال والحمير فوق البيدر، استعارةً بليغةً لدورة الحياة ذاتها؛ حيث لا يصل الإنسان إلى النتيجة المرجوة إلا عبر التكرار والصبر، والعودة إلى نقطة البداية بإصرارٍ لا يملّ. وبينما تتسارع عجلة الزمن، تبقى هذه الصورة الأبدية شاهدةً على أنَّ قيمة الحصاد لا تُقاس بكمية الغلال وحدها، بل بجودة الروح التي تُزرع في الحبة، وصبر اليد التي تلمسها، ووفاء الحوافر التي تدور في حضن التراب، لتُعلن أنَّ أروع ما في الزراعة هو هذا التماهي المقدّس بين خطوات الحيوان وخفقان قلب الفلاح.