مراكش: دعوات للتحقيق في قانونية نزع الملكية ورخص التعمير بالمجال الحضري

0

الانتفاضة/ ابراهيم أكرام

شهدت الدورة الأخيرة للمجلس الجماعي بمدينة مراكش نقاشا حادا أعاد إلى الواجهة ملف نزع ملكية عدد من الفيلات الواقعة بشوارع رئيسية بالمدينة، وعلى رأسها شارع مولاي عبد الله وشارع علال الفاسي، وهو الملف الذي أثار منذ سنوات جدلا واسعا بين السلطات المحلية وبعض المتضررين، خاصة في ظل تباين الروايات حول مدى احترام المساطر القانونية المنظمة لعمليات نزع الملكية لفائدة مشاريع التهيئة الحضرية.

وخلال هذه الدورة، وجه مستشار جماعي بمجلس مدينة مراكش انتقادات قوية لما اعتبره “اختلالات محتملة” شابت بعض مساطر نزع الملكية، مطالبا والي جهة مراكش-آسفي وعمدة المدينة بفتح تحقيق عاجل ومعمق في هذا الملف، من أجل الوقوف على مدى احترام الإجراءات القانونية، وضمان عدم المساس بحقوق المواطنين أو تجاوز الضوابط التنظيمية المعمول بها في مثل هذه الحالات. كما دعا إلى ضرورة تمكين الرأي العام المحلي من معطيات واضحة حول طبيعة الرخص الممنوحة في بعض المناطق، والجهات التي استفادت منها، والكيفية التي تم بها اتخاذ القرارات المرتبطة بها.

وتأتي هذه المطالبة في سياق نقاش متجدد حول تدبير المجال العمراني بمدينة مراكش، التي تعرف منذ سنوات دينامية كبيرة في مجال التوسع الحضري وإطلاق مشاريع تهيئة كبرى تهدف إلى تحسين البنية التحتية وتطوير جاذبية المدينة السياحية والاقتصادية. غير أن هذه الدينامية، رغم أهميتها، كثيرا ما تثير تساؤلات لدى بعض الفاعلين المحليين حول مدى التوازن بين متطلبات التنمية الحضرية وحماية الحقوق العقارية للأفراد، خصوصا عندما يتعلق الأمر بعمليات نزع الملكية.

المستشار الجماعي، وفي مداخلته التي وُصفت بـ”الساخنة”، عبر عن رفضه لما اعتبره غيابا للإنصات إلى تظلمات بعض المواطنين المتضررين من قرارات نزع الملكية، مؤكدا أن عددا من الأسر ترى نفسها متضررة من تعويضات غير منصفة أو مساطر لم تحترم فيها جميع الضمانات القانونية. كما أشار إلى ما سماه “الكيل بمكيالين” في التعامل مع بعض الملفات، داعيا إلى ضرورة توحيد المعايير وتطبيق القانون بشكل صارم وشفاف على الجميع دون استثناء.

وفي المقابل، يرى متتبعون للشأن المحلي أن عمليات نزع الملكية في المدن الكبرى، بما فيها مراكش، تتم في الغالب في إطار مشاريع ذات نفع عام، مثل توسيع الطرقات أو إنجاز تجهيزات عمومية أو إعادة هيكلة أحياء قائمة. ويخضع هذا النوع من العمليات لمسطرة قانونية محددة تتضمن مراحل متعددة، تبدأ بالإعلان عن المنفعة العامة، مرورا بعمليات الخبرة وتحديد التعويضات، وصولا إلى مساطر الأداء والترحيل، وهو ما يجعلها في الغالب موضوع توازن دقيق بين المصلحة العامة والحقوق الفردية.

غير أن الجدل لا ينحصر فقط في الجانب القانوني، بل يمتد أيضا إلى البعد الاجتماعي والإنساني لهذه القرارات، خاصة عندما يتعلق الأمر بممتلكات سكنية تمثل لأصحابها أكثر من مجرد عقار، بل ذاكرة عائلية واستقرارا اجتماعيا. وهنا تبرز حساسية الملف، إذ يعتبر بعض الفاعلين أن أي خلل في التواصل أو في تقدير التعويضات يمكن أن يؤدي إلى احتقان اجتماعي ويزيد من فقدان الثقة في المؤسسات المنتخبة والإدارية.

وفي السياق ذاته، دعا المستشار إلى ضرورة إشراك ممثل السلطات المحلية بشكل أوضح في النقاش العمومي داخل المجلس الجماعي، مع تسجيل جميع الملاحظات والاختلالات المحتملة بشكل رسمي ومحايد، والانتقال من النقاش السياسي إلى فتح آليات للتقصي الإداري والقانوني، من أجل تحديد المسؤوليات بدقة، إن وجدت، وتفادي أي لبس أو تأويلات قد تسيء إلى صورة التدبير المحلي.

كما شدد على أهمية مراجعة بعض الرخص الممنوحة في مناطق معينة من المدينة، مع التأكيد على ضرورة التحقق من مدى احترامها لقوانين التعمير والمساطر المعتمدة، خصوصا في ظل التحولات العمرانية التي تعرفها مراكش، والتي تجعل الضغط على المجال العقاري كبيرا، وتفتح في بعض الأحيان الباب أمام جدل حول مدى شفافية بعض القرارات.

ومن جهة أخرى، يرى عدد من المراقبين أن مثل هذه المطالب، حتى وإن كانت تعكس حرصا على الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، ينبغي أن تطرح في إطار مؤسساتي يحترم اختصاصات كل طرف، وأن يتم الاعتماد على تقارير تقنية وإدارية دقيقة بدل الاكتفاء بالمرافعات السياسية داخل دورات المجلس. كما يؤكد هؤلاء أن فتح التحقيقات، إذا ما تم، يجب أن يستند إلى معطيات موثقة وليس فقط إلى شكايات أو مداخلات، حتى لا يتحول الملف إلى مادة للصراع السياسي أو لتبادل الاتهامات.

وتجدر الإشارة إلى أن مدينة مراكش، باعتبارها واحدة من أبرز الوجهات السياحية في المغرب، تعرف ضغطا متزايدا على بنيتها التحتية ومجالها العمراني، وهو ما يدفع السلطات إلى اعتماد برامج تأهيلية كبرى تستدعي في بعض الأحيان إعادة هيكلة بعض الأحياء أو فتح محاور طرقية جديدة. هذه المشاريع، رغم أهميتها التنموية، تظل دائما محكومة بإشكالية إيجاد التوازن بين المصلحة العامة وحماية الملكية الخاصة، وهو ما يجعل ملف نزع الملكية من أكثر الملفات حساسية على المستوى المحلي.

وفي خضم هذا الجدل، يبقى السؤال المطروح بإلحاح لدى عدد من المتابعين هو مدى قدرة المؤسسات المنتخبة والسلطات المحلية على تعزيز الثقة مع المواطنين، من خلال توضيح المساطر المعتمدة، وتحسين آليات التواصل، وتقديم أجوبة واضحة حول مختلف الإشكالات التي تثار بين الفينة والأخرى. فغياب المعلومة الدقيقة، حسب رأي العديد من الفاعلين، يساهم في توسيع دائرة الشكوك ويغذي النقاش العام بشكل قد لا يعكس دائماً حقيقة الوضع القانوني والإداري للملفات.

وبين المطالب الداعية إلى فتح تحقيق معمق، والدعوات إلى اعتماد مقاربة مؤسساتية هادئة، يظل ملف نزع الملكية في شارع مولاي عبد الله وشارع علال الفاسي واحدا من الملفات التي تعكس تعقيد تدبير المجال الحضري بمدينة مراكش، حيث تتقاطع رهانات التنمية مع تحديات العدالة الاجتماعية، وحيث يصبح التوازن بين القانون والإنصاف هو التحدي الأكبر أمام مختلف الفاعلين المحليين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.