بين النفي والصمت: أسئلة معلقة في ملف أراضي تسلطانت

0

الانتفاضة / شاكر ولد الحومة

منذ نشر التحقيق الذي أثار جدلاً واسعاً حول مشروع عقاري بمنطقة تسلطانت ضواحي مراكش، توالت ردود الفعل الصادرة عن وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة فاطمة الزهراء المنصوري، وعن قيادات بحزب الأصالة والمعاصرة.

غير أن قراءة متأنية لهذه الردود تفضي إلى ملاحظة أساسية: الأجوبة المقدمة لم تواجه جوهر الأسئلة المطروحة بقدر ما حاولت الالتفاف حولها أو التركيز على عناصر جانبية لا تبدد الشكوك التي أثارتها المعطيات المنشورة.

وفي القضايا التي تتقاطع فيها السلطة العمومية مع المصالح العقارية الخاصة، فإن المعيار الحقيقي ليس حجم النفي، بل قدرة المسؤولين على تقديم أجوبة دقيقة وموثقة حول الوقائع المثارة.

أولاً: إذا كان مخطط 2017 يسمح بالبناء… فلماذا وقع الرفض؟

من أبرز ما ورد في الردود الرسمية التأكيد على أن وثائق التعمير المعتمدة منذ سنة 2017 كانت تسمح بالبناء فوق الأرض موضوع الجدل.

لكن هذا المعطى يطرح إشكالاً منطقياً وقانونياً.

فإذا كانت الأرض قابلة للبناء بموجب مخطط التهيئة المعتمد آنذاك، فما الأساس الذي استندت إليه الوكالة الحضرية عندما رفضت طلب تقسيمها خلال الفترة السابقة لسنة 2021؟

هل كانت قرارات الوكالة الحضرية خاطئة؟

أم أن هناك معطيات قانونية أو تقنية أخرى لم يتم الكشف عنها للرأي العام؟

وإذا كانت هذه المعطيات موجودة، فلماذا لم تتضمنها الردود الصادرة لتوضيح أسباب الرفض السابق وأسباب القبول اللاحق؟

إن مجرد القول إن مخطط 2017 يسمح بالبناء لا يجيب عن السؤال المركزي، بل يضاعف الحاجة إلى تفسير أسباب الرفض الذي تم في ظل المخطط نفسه.

ثانياً: تغيير مدير الوكالة الحضرية… والسؤال الذي لم يُجب عنه أحد

حرص المدافعون عن الوزيرة على التأكيد بأن المدير السابق للوكالة الحضرية لم تتم إقالته وإنما غادر منصبه في إطار مسار إداري عادي.

غير أن هذا الجواب لا يلامس أصل القضية.

فالتحقيق لم يركز على مصير المدير السابق، بل على توقيت تعيين المدير الجديد.

المعطيات المتداولة تشير إلى أن تعيين مدير جديد للوكالة الحضرية جاء بعد فترة وجيزة من إتمام عملية بيع الأرض.

السؤال هنا ليس اتهاماً لأحد، وإنما يتعلق بواجب الشفافية:

هل تغير تعامل الوكالة مع الملفات المرتبطة بهذه المنطقة بعد هذا التعيين؟

هل صدرت آراء أو قرارات جديدة مغايرة لما كان معمولاً به سابقاً؟

وهل تستطيع الجهات المعنية نشر جميع الوثائق التي توضح مسار اتخاذ القرار قبل وبعد هذا التغيير؟

إلى اليوم، لا يبدو أن الرأي العام حصل على جواب واضح بشأن هذه النقطة.

ثالثاً: الأرض الفلاحية وإشكالية القابلية للبناء

من بين الحجج التي تم تقديمها القول إن وصف الأرض بأنها فلاحية لا يعني تلقائياً منع البناء فوقها، لأن القرار النهائي يعود إلى الوثائق التعميرية والجهات المختصة.

من حيث المبدأ، لا خلاف حول هذه القاعدة.

لكن الإشكال المطروح لا يتعلق بالوصف القانوني للأرض فقط، بل بموقف الإدارة نفسها.

فإذا كانت الوكالة الحضرية قد أصدرت في مرحلة معينة إشعارات أو مواقف رسمية تفيد بعدم قابلية البناء فوق العقار المعني، فإن السؤال يصبح بسيطاً ومباشراً:

ما الذي تغير لاحقاً؟

هل تم تعديل الوثائق التعميرية؟

هل صدرت قرارات استثنائية؟

هل ظهرت معطيات تقنية جديدة؟

أم أن الإدارة غيرت تأويلها للقواعد نفسها؟

الرأي العام لا يحتاج إلى شعارات سياسية، بل إلى تسلسل إداري وقانوني واضح يفسر كيف انتقلت الأرض من وضعية إلى أخرى.

رابعاً: ضريبة الأراضي غير المبنية… سؤال مالي لا يقل أهمية

بعيداً عن النقاش التقني المرتبط بالتعمير، يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية ويتعلق بالوضعية الجبائية للعقار.

فإذا كانت الأرض قابلة للبناء منذ سنة 2017 كما تؤكد الردود الرسمية، فإن ذلك يطرح إشكالية الضريبة على الأراضي الحضرية غير المبنية (TNB).

فالقانون يفرض هذه الضريبة على الأراضي الواقعة داخل المجالات التي يسمح فيها بالبناء، وذلك بهدف الحد من المضاربة العقارية وتشجيع تعبئة العقار.

وهنا تبرز أسئلة مشروعة:

إذا كانت الأرض قابلة للبناء منذ سنة 2017، بينما لم تنطلق الأشغال الفعلية للمشروع إلا خلال أواخر سنة 2023، فهل كانت الأرض خاضعة للضريبة على الأراضي غير المبنية طوال هذه الفترة؟

وهل تم أداء هذه الضريبة عن المساحة الإجمالية التي تناهز 66 هكتاراً؟

ومتى تم أداء هذه المستحقات إن كانت قد أديت بالفعل؟

وإذا لم تكن الأرض خاضعة لهذه الضريبة، فما الأساس القانوني لذلك؟

كيف يمكن اعتبار الأرض قابلة للبناء عند الدفاع عن مشروعية المشروع، وفي الوقت نفسه عدم توضيح وضعيتها الجبائية خلال سنوات طويلة سبقت انطلاق الأشغال؟

إن الكشف عن الوضعية الضريبية للعقار كفيل بإزالة الكثير من الغموض المحيط بهذا الملف.

خامساً: القضية ليست مدة الترخيص… بل منطق الترخيص نفسه

ركزت بعض الردود على أن الحصول على الترخيص خلال تسعة أشهر أمر عادي ولا يخرج عن المساطر المعمول بها.

لكن أحداً لم يكن يناقش عامل الزمن.

السؤال الحقيقي يتعلق بطبيعة المشروع الذي حصل على الترخيص.

فإذا كانت الإدارة قد رفضت سابقاً تقسيم الأرض إلى قطع أكبر مساحة، فكيف حصل لاحقاً مشروع أكثر كثافة عمرانية على الموافقة؟

ما هي الدراسات أو الآراء التقنية التي بررت هذا التحول؟

وهل تم تطبيق المعايير نفسها على جميع المستثمرين والمالكين في المنطقة؟

هذه ليست أسئلة سياسية، بل أسئلة مرتبطة بمبدأ المساواة أمام الإدارة والحق في معرفة الأسس التي تُبنى عليها القرارات العمومية.

كما يجب الانتباه الى مدة إجراءات صدور الترخيص، حيث قيل انها دامت 9 أشهر، لكن لم يتم تحديد الفترة، هل قبل بيع العقار أم بعده، هذا ان افترضنا ذلك، لأن الواقع و قرار المفتشية العامة يتحدث عن عقد بيع ب23/10/2023 و رخصة صادرة ب28/12/2023.

سادساً: الصمت حول نشاط زهير المنصوري

من بين أكثر النقاط حساسية في التحقيق ما يتعلق باستمرار اقتناء أراضٍ فلاحية بمنطقة تسلطانت خلال السنوات اللاحقة، مع وجود بنود تعاقدية تشير إلى عدم قابلية البناء عليها وقت إبرام العقود.

ورغم أهمية هذه النقطة، لم تحظ بأي رد تفصيلي تقريباً.

الصمت لا يقدم توضيحات، بل يفتح المجال لمزيد من التساؤلات.

ما مبررات اقتناء هذه الأراضي؟

هل كان الأمر مجرد استثمار عقاري عادي؟

هل كانت هناك معطيات موضوعية تبرر الرهان على تغير وضعيتها التعميرية مستقبلاً؟

ولماذا لم يتم تقديم توضيحات دقيقة للرأي العام حول هذه الجزئية تحديداً؟

الخلاصة: الوثائق وحدها قادرة على إنهاء الجدل

في الملفات التي تمس تدبير الشأن العام، لا تكفي البلاغات السياسية ولا حملات التضامن الحزبي لإقناع الرأي العام.

الجواب الحقيقي يوجد في الوثائق.

نشر قرارات الوكالة الحضرية، ومحاضر اللجان المختصة، والآراء التقنية، ووثائق التعمير، والمعطيات الجبائية المتعلقة بالعقار، كفيل بحسم النقاش وإزالة أي التباس.

أما الاكتفاء بالردود العامة، فلن يؤدي إلا إلى تكريس الشكوك وإبقاء الأسئلة معلقة.

ويبقى السؤال الجوهري الذي ينتظر المغاربة جواباً واضحاً بشأنه:

كيف انتقل مشروع عقاري فاخر من أرض قيل إنها كانت موضوع رفض إداري وعدم قابلية للبناء، إلى مشروع حصل على مختلف التراخيص اللازمة؟ وما هي القرارات الإدارية والقانونية الدقيقة التي صنعت هذا التحول؟ وهل كانت الوضعية الجبائية للعقار منسجمة طوال تلك الفترة مع القول بأنه كان قابلاً للبناء منذ سنة 2017؟

إلى أن يتم تقديم أجوبة موثقة عن هذه الأسئلة، سيظل الجدل قائماً، وستبقى الشفافية هي المطلب الأساسي في قضية تتجاوز الأشخاص لتلامس جوهر الثقة في المؤسسات وفي مبدأ المساواة أمام القانون.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.