الانتفاضة//الحجوي محمد
في زمن تتدفق فيه المعلومات كالسيل الجارف عبر شاشات الهواتف ولوحات الحواسيب، يجد الإنسان المعاصر نفسه غارقاً في محيط من البيانات المتناقضة، حيث يلتقي الخبر اليقين بالإشاعة الطائرة، وتتصارع الدعاية المضللة مع الحقيقة العارية. لم يعد السؤال عن مصدر المعلومة بقدر ما أصبح عن قدرة المتلقي على تمييز زبد الكذب من جوهر الصدق.
الدعاية المعاصرة ارتدت ثوباً جديداً، لم تعد خطباً مذاعة أو ملصقات جدارية، بل تحولت إلى خوارزميات ذكية وحسابات وهمية تنشر الصور المعدلة والفيديوهات المبتورة، وتصنع “الترندات” بخبرة من يمتلك مفاتيح الغريزة البشرية. إنها حرب نفسية باردة، تستهدف الوعي الجمعي قبل أن تستهدف القرارات والسياسات.
أما الأخبار الزائفة، فتحولت إلى سلاح فتاك لا يحتاج ترخيصاً، يطلقه أي شخص يمتلك اتصالاً بالإنترنت. والأخطر من ذلك أنها تنتشر بشكل حلزوني، تزيد سرعتها كلما ابتعدت عن المنبع، وكثرة تداولها تمنحها شرعية مزيفة تجعلها في النهاية تبدو كحقيقة لا تقبل الجدل، خاصة لدى من يفتقدون أدوات النقد الإعلامي.
في هذا الجلبة الإعلامية، تبقى الحقيقة بطيئة الخطى، تحتاج إلى صحافي يبحث، ومصادر توثق، وأطرافاً يستمع إليها، وإلى وقت كافٍ للتمحيص. إنها ضحية النظام الرقمي الذي يكافئ السرعة ويعاقب الدقة، حيث يحصد الكذب ملايين المشاهدات بينما تنتظر الحقيقة في طابور التدقيق الطويل.
لا مخرج من هذه الأزمة دون سلاح الوعي. إن تعزيز التربية الإعلامية الرقمية لم يعد رفاهية، بل ضرورة وجودية، تبدأ في المدارس وتمتد إلى بيوت الخبراء. كما أن مسؤولية التحقق لا تقع على الصحافي وحده، بل على كل مواطن قبل أن ينقر زر “مشاركة”. لأن كل مشاركة خاطئة هي وقود إضافي لنار التضليل.
في النهاية، مهما تطورت أدوات الخداع وتنوعت أساليب الدعاية، تبقى الحقيقة عصية على الموت. قد تُخفى لحظة، وقد يُضحى بها، وقد تُدفن تحت أكوام من الأكاذيب، لكنها في النهاية تشق طريقها إلى النور. ومعركة الوعي التي نخوضها اليوم هي رهاننا الوحيد على مستقبل نعرف فيه متى نصدق، ومتى نشك، وقبل كل شيء، كيف نفكر.