الانتفاضة/ ابراهيم أكرام
بعد الجدل الذي أثارته حلقتا إدريس الأزمي ومحمد أوزين في برنامج “للحديث بقية”، عاد النقاش مجددا حول طبيعة الأداء الإعلامي في البرامج الحوارية السياسية، وحدود الفصل بين الصحافة النقدية الصارمة وبين الانزلاق غير المقصود نحو انطباع الاصطفاف أو الترافع غير المباشر باسم جهة سياسية دون أخرى.
فالبرنامج الذي راكم خلال السنوات الأخيرة صورة “الأسئلة الحادة” و”المواجهات المباشرة”، وجد نفسه في قلب نقاش أوسع يتعلق بتوازن المسافة بين مختلف الفاعلين السياسيين، حكومة ومعارضة، خصوصا حين يتعلق الأمر بملفات كبرى مثل تدبير الشأن العام، الأداء الحكومي، وضعف المعارضة، وقوانين مثيرة للجدل.
حلقة إدريس الأزمي الإدريسي، القيادي في حزب العدالة والتنمية، فتحت الباب أمام هذا النقاش، حيث اعتبر بعض المتابعين أن طبيعة الأسئلة وطريقة إدارة الحوار بدت وكأنها تدفع الضيف للدفاع المستمر، أكثر من إتاحة مساحة متوازنة لمساءلة الحكومة نفسها بنفس الحدة. هذا الانطباع، سواء كان دقيقا أو مبالغا فيه، شكل الأرضية التي استند إليها الجدل الذي تلا حلقة محمد أوزين.
ففي هذه الأخيرة، عبر الأمين العام لحزب الحركة الشعبية عن إحساسه بأن النقاش يميل إلى تحميل المعارضة مسؤوليات تتجاوز قدرتها الفعلية، حين قال إن “الحكومة ولات كتحاسب المعارضة”، في إشارة إلى ما اعتبره انقلابا في أدوار المساءلة داخل النقاش العمومي. وهي عبارة عكست توترا أعمق حول موقع المعارضة في المشهد السياسي المغربي، وحدود تأثيرها في ظل أغلبية حكومية قوية رقميا ومؤسساتيا.
غير أن هذا النقاش لا يتعلق فقط بالضيوف السياسيين، بل يمتد إلى طبيعة العمل الإعلامي نفسه. فالإعلام السياسي، خصوصا في البرامج الحوارية المباشرة، يعيش دائما بين مطلبين صعبين: الحدة في السؤال لضمان الجاذبية والمصداقية، والتوازن في توزيع الضغط حتى لا يتحول الحوار إلى مواجهة غير متكافئة في الانطباع.
من جهة أخرى، لا يمكن إغفال أن المعارضة بدورها مطالبة بتقديم إجابات واضحة حول أدائها، مواقفها، وتماسك خطابها، وهو ما يجعلها عرضة للمساءلة الصارمة تماما كما هو حال الحكومة. لكن الإشكال يبرز حين يشعر المتلقي أو الضيف بأن كفة الأسئلة تميل بشكل غير متساو، وهو ما يغذي الجدل حول الحياد.
في هذا السياق، يصبح السؤال الحقيقي ليس فقط حول “من يسأل أكثر”، بل حول “كيف يسأل” و”بأي إطار تدار المقارنة”. فالمهنية الإعلامية لا تقاس فقط بحدة الأسئلة، بل بقدرتها على خلق توازن يتيح للمشاهد فهم الصورة كاملة دون توجيه غير مباشر للرأي العام.
وبين الأزمي وأوزين، يبدو أن النقاش تجاوز الأشخاص ليصل إلى بنية أوسع: علاقة الإعلام بالسياسة، وحدود المساءلة، وصورة المعارضة في زمن هيمنة الأغلبية. وهي أسئلة ستظل مفتوحة، لأن جوهرها يرتبط بثقة الجمهور في أن ما يقدم له هو حوار، لا محاكمة، وأن الصحافة حين تكون قوية، تظل أيضا عادلة في توزيع أسئلتها.