الانتفاضة/ بقلم: د. إدريس الفينة
يعتبر عامل العمالة أو الإقليم في المغرب فاعلا أساسيا في منظومة التنمية الترابية، لا باعتباره رئيسا لجماعة ترابية أو بديلا عن المجالس المنتخبة، بل بصفته ممثلا للسلطة المركزية، ومكلفا بتأمين تطبيق القانون، ومواكبة تنفيذ السياسات العمومية، وتنسيق عمل المصالح اللاممركزة للدولة داخل نفوذه الترابي.
وتقتضي دراسة هذا الدور التمييز بين ثلاثة مفاهيم متقاربة لكنها غير متطابقة: الرقابة الإدارية، والتنسيق الإداري، والالتقائية التنموية. فالرقابة ترتبط بضمان احترام القانون، والتنسيق يتعلق بتنظيم تدخلات الفاعلين وتفادي التداخل أو التعارض، أما الالتقائية فتتجاوز التنسيق إلى تحقيق تكامل فعلي بين السياسات والبرامج حول أهداف مشتركة وأثر تنموي ملموس.
كما يقتضي الموضوع التمييز بين العمالة أو الإقليم كجماعة ترابية، تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال الإداري والمالي، ويرأس مجلسها رئيس منتخب، وينظمها القانون التنظيمي رقم 112.14، وبين العمالة أو الإقليم كمجال إداري ترابي تمثل فيه الدولة بواسطة العامل.
وعليه، فإن العامل لا يمارس اختصاصات مجلس العمالة أو الإقليم، ولا يحل محل رئيسه، وإنما يمارس أدوارا دستورية وإدارية مرتبطة بالمراقبة القانونية، والتنسيق الإداري، والمواكبة، والمساهمة في خلق شروط الالتقائية بين البرامج العمومية والترابية.
أولا: الإطار القانوني لدور العامل
يرتكز دور العامل على دستور 2011، ولا سيما الفصل 145، الذي ينص على أن ولاة الجهات وعمال العمالات والأقاليم يمثلون السلطة المركزية في الجماعات الترابية، ويعملون باسم الحكومة على تأمين تطبيق القانون، وتنفيذ النصوص التنظيمية والمقررات الحكومية، ويمارسون المراقبة الإدارية، ويساعدون رؤساء الجماعات الترابية على تنفيذ المخططات والبرامج التنموية.
ويلاحظ من هذا الفصل أن الدستور لا يمنح العامل وظيفة واحدة، بل يوزع دوره بين مستويات مختلفة: مستوى رقابي مرتبط باحترام القانون، ومستوى تنسيقي مرتبط بعمل المصالح اللاممركزة، ومستوى مواكب مرتبط بمساعدة الجماعات الترابية على تنفيذ برامجها.
أما القانون التنظيمي رقم 112.14، فهو ينظم العمالات والأقاليم باعتبارها جماعات ترابية قائمة بذاتها، لها مجلس منتخب ورئيس مجلس واختصاصات محددة. لذلك يجب عدم الخلط بين الاختصاصات المسندة إلى مجلس العمالة أو الإقليم، وبين الأدوار التي يمارسها العامل بصفته ممثلا للدولة.
كما يشكل الميثاق الوطني للاتمركز الإداري إطارا مهما لفهم وظيفة العامل في تنسيق تدخلات المصالح اللاممركزة للدولة، بما يسمح بتقريب القرار الإداري، وتحسين تنفيذ السياسات العمومية، وتعزيز انسجام تدخلات الدولة على المستوى الترابي.
ثانيا: الرقابة الإدارية: ضمان الشرعية لا الحلول محل المنتخبين
تمثل الرقابة الإدارية إحدى الوظائف الأساسية للعامل في علاقته بالجماعات الترابية. غير أن هذه الرقابة، في ظل دستور 2011، لم تعد تعني الوصاية التقليدية أو التحكم في القرار المحلي، بل أصبحت رقابة قانونية تهدف إلى ضمان احترام المشروعية.
فالعامل يتدخل لضمان مطابقة أعمال الجماعات الترابية للقانون، واحترام قواعد الاختصاص، والمسطرة، والمالية المحلية، وحماية المال العام. ولذلك فإن الرقابة الإدارية ليست وظيفة تنموية مباشرة، لكنها تخلق شرطا ضروريا للتنمية، لأن أي مشروع تنموي لا يمكن أن يكون سليما إذا قام على قرارات غير مشروعة أو مساطر مختلة.
وبهذا المعنى، فإن العامل لا يقرر بدلا عن المجلس المنتخب، ولا يحدد أولوياته، ولا يمارس اختصاصاته، وإنما يراقب مشروعية قراراته في الحدود التي يسمح بها القانون.
ثالثا: التنسيق الإداري: تنظيم تدخلات الفاعلين العموميين
إلى جانب الرقابة، يضطلع العامل بوظيفة التنسيق الإداري، خصوصا في علاقته بالمصالح اللاممركزة للدولة. ويقصد بالتنسيق هنا تنظيم التعاون والتواصل بين الإدارات والقطاعات العمومية المختلفة، من أجل تفادي التداخل، والتكرار، والتعارض، وبطء الإنجاز.
فالمشاريع الترابية غالبا ما تتطلب تدخل قطاعات متعددة، مثل التجهيز، الصحة، التعليم، الفلاحة، السكنى، الماء، الكهرباء، النقل، والاستثمار. وغياب التنسيق بين هذه المصالح قد يؤدي إلى تعطيل المشاريع أو تضارب القرارات أو ضعف النجاعة.
لذلك يشكل العامل حلقة وصل بين مختلف المصالح الخارجية، ويسعى إلى ضمان تبادل المعلومات، وتحديد المسؤوليات، وتتبع تنفيذ البرامج، ومعالجة الإكراهات الإدارية التي تعترضها.
غير أن التنسيق، رغم أهميته، يظل آلية إجرائية وتنظيمية. فهو لا يعني بالضرورة تحقق الالتقائية، لأن هذه الأخيرة تتطلب أكثر من مجرد جمع المتدخلين أو تنظيم اجتماعات بينهم.
رابعا: الالتقائية التنموية: من تعدد البرامج إلى وحدة الأثر
تعد الالتقائية مفهوما أوسع من التنسيق. فهي لا تقتصر على تنظيم العلاقة بين الفاعلين، بل تعني تكامل السياسات والبرامج والمشاريع حول أهداف مشتركة ورؤية موحدة، بما يضمن تحقيق أثر تنموي واضح ومستدام.
فالالتقائية تتحقق عندما تنسجم تدخلات الدولة والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية والقطاع الخاص والمجتمع المدني حول أولويات المجال الترابي، مثل فك العزلة، تقليص الفوارق الاجتماعية، تحسين الولوج إلى الخدمات، خلق فرص الشغل، أو تعزيز جاذبية الاستثمار.
ودور العامل هنا ليس أن ينفرد بصياغة الرؤية التنموية، لأن ذلك يدخل ضمن اختصاصات مؤسسات متعددة، وعلى رأسها المجالس المنتخبة. وإنما يتمثل دوره في المساهمة في خلق شروط الالتقائية، من خلال التنسيق، التتبع، تعبئة المصالح اللاممركزة، تقريب وجهات النظر، ورصد الاختلالات التي تعيق تكامل البرامج.
وبذلك يمكن القول إن التنسيق هو وسيلة، أما الالتقائية فهي نتيجة تنموية منشودة. وقد ينجح العامل في التنسيق دون أن تتحقق الالتقائية إذا ظلت البرامج متفرقة، أو غابت الرؤية المشتركة، أو لم تتكامل الموارد والاختصاصات.
خامسا: مواكبة الجماعات الترابية دون المساس بالتدبير الحر
يساعد العامل رؤساء الجماعات الترابية على تنفيذ المخططات والبرامج التنموية، لكن هذه المساعدة يجب أن تفهم في إطار احترام مبدأ التدبير الحر. فالجماعات الترابية، بما فيها العمالات والأقاليم كجماعات ترابية، تتوفر على مجالس منتخبة ورؤساء يمارسون اختصاصاتهم وفق القانون.
لذلك فإن مواكبة العامل لا تعني الحلول محل المنتخبين، بل تعني الدعم الإداري، وتسهيل العلاقة مع المصالح اللاممركزة، والمساهمة في تجاوز الصعوبات التي تعترض تنفيذ المشاريع، خاصة في الجماعات التي تعاني من محدودية الموارد البشرية أو التقنية أو المالية.
وتبرز أهمية هذه المواكبة في المجالات التي تتطلب تدخلا مشتركا بين الدولة والجماعات الترابية، حيث يصبح نجاح البرامج مرتبطا بوضوح الأدوار، واحترام الاختصاصات، وقدرة المتدخلين على العمل في إطار من التعاون.
سادسا: العامل وتدبير الأزمات والمخاطر
يضطلع العامل كذلك بدور مهم في تدبير الأزمات والمخاطر، مثل الفيضانات، الجفاف، الكوارث الطبيعية، الأوبئة، الأزمات الاجتماعية، أو تعثر بعض المشاريع الأساسية.
وفي هذه الحالات، لا يتعلق الأمر فقط برقابة أو تنسيق إداري عادي، بل بتعبئة سريعة للموارد والمؤسسات، وضمان استمرارية المرافق العمومية، وحماية الساكنة، وتوجيه تدخلات المصالح المختصة.
وهذا الدور يعزز مكانة العامل كفاعل ترابي للدولة، لكنه يظل مختلفا عن اختصاصات المجالس المنتخبة، لأن تدبير الأزمات يستند إلى منطق السلطة العمومية وحماية النظام العام وضمان استمرارية الخدمات.
سابعا: علاقة العامل بالمنتخبين: تكامل الأدوار لا تداخلها
إن العلاقة بين العامل والمجالس المنتخبة ينبغي أن تقوم على التكامل لا التداخل. فالمنتخبون يستمدون شرعيتهم من الاقتراع، ويمارسون اختصاصاتهم في إطار التدبير الحر. أما العامل فيستمد موقعه من تمثيل الدولة، وضمان احترام القانون، وتنسيق عمل المصالح اللاممركزة، والمساهمة في تنفيذ السياسات العمومية.
وقد تنشأ التوترات عندما تتحول الرقابة إلى وصاية، أو التنسيق إلى تدخل في القرار المنتخب، أو الالتقائية إلى ذريعة لتذويب الاختصاصات. كما قد تنشأ التوترات، في المقابل، عندما يفهم التدبير الحر باعتباره استقلالا مطلقا عن القانون أو عن السياسات…