الانتفاضة / ذ هشام الدكاني
في زمن ٱختلطت فيه الأولويات، وأضحى الحديث عن المدرسة العمومية مقرونا في الغالب بلغة الأعطاب والٱختلالات، تخرج من قلب مدينة فاس حكاية أخرى… حكاية لا تكتب بالبلاغات الرسمية، بل تصاغ كل صباح داخل فصل صغير، حيث تقف أستاذة ٱسمها “وفاء”، لتعيد الإعتبار لمعنى التعليم.
هنا، في المدرسة الابتدائية “أحمد الطيب لعلج” بمقاطعة المرينيين، لا تدرس اللغة العربية كمنهاج جامد، بل ككائن حي؛ حروف تنبض، نصوص توقظ الفكر، وأطفال يكتشفون لأول مرة أن لهم صوتا، وأن التعبير ليس ترفا، بل حق أصيل.
ليست الأستاذة وفاء ٱستثناء معزولا، بل وجه من وجوه مدرسة ما تزال تقاوم في صمت؛ تقاوم الإهمال، وتكسر الصور النمطية، وتؤكد أن الرهان الحقيقي لا يكمن في الإمكانيات وحدها، بل في الإنسان… في ذلك المدرس الذي يدخل القسم مؤمنا بأن كل تلميذ مشروع نجاح، لا رقما عابرا في سجل.
وخلف هذا النفس التربوي، يقف طاقم متكامل من الأطر التعليمية والإدارية، يشتغل بٱنسجام نادر، بروح الفريق لا بمنطق الفرد.
رجال ونساء ٱختاروا أن يكونوا في الصفوف الأمامية لمعركة بناء الإنسان، لا طلبا للثناء، بل وفاء لرسالة.
ولا يمكن الحديث عن هذه التجربة دون الإشارة إلى أن ما يتحقق داخل هذه المؤسسة ليس مجهودا فرديا معزولا، بل ثمرة عمل جماعي جاد ومتواصل يشمل جميع مكونات المؤسسة التعليمية، دون ٱستثناء.
فالأطر التربوية والإدارية، كل من موقعه، يشتغلون بروح المسؤولية والإنخراط اليومي في خدمة المتعلمين، مما يجعل من الأستاذة وفاء نموذجا مشرفا يعكس صورة باقي الأستاذات والأساتذة الأفاضل العاملين بالمؤسسة، لا حالة منفردة خارج السياق.
وفي صمت يليق بالكبار، يستعد مدير المؤسسة لمغادرة موقعه مع نهاية هذا الموسم الدراسي، بعد مسار مهني مشرف.
يرحل وقد ترك أثرا لا يقاس بالوثائق، بل بالثقة التي زرعها، وبالٱستقرار الذي أرساه، والإحترام الذي كسبه.
هو نموذج لذلك المسؤول الذي لا يحدث ضجيجا… لكنه يصنع الفرق.
وإني إذ أكتب، لا أكتب من برج صحفي بعيد، بل من موقع شاهد قريب.
بصفتي ولي أمر، رأيت ما لا يقال في التقارير، ولمست ما لا يكتب في الإحصائيات.
ما ينجز هنا ليس عاديا، وما يبذل ليس قليلا.
وما هذه الكلمات إلا جزء يسير من حق رجال ونساء يشتغلون يوميا بصمت، بإخلاص، وبكرامة.
هذه ليست قصة أستاذة فقط… بل شهادة في حق مدرسة عمومية حين تحاط بأناس يؤمنون بها.
من فاس، من المرينيين تحديدا، تنبع رسالة واضحة:
«حين يكون الإنسان في المستوى… يمكن للمدرسة أن تكون في مستوى الوطن».