الانتفاضة // بقلم الدكتور سدي علي ماء العينين
“إمام” في مهب الحقد.. عندما تذبح “الجمهرة” كرامة المظلوم بكاميرا هاتف!
تعد واقعة إمام مسجد “عمر بن الخطاب” بحي بنسودة بمدينة فاس، والتي عادت لتتصدر واجهة النقاش في الفضاء الرقمي، نموذجاً حياً لقصص الظلم التي تنبش في جراح فئة الأئمة وتكشف عن هشاشة وضعهم الاجتماعي والاعتباري.
هذه الحادثة التي تعود فصولها إلى أكثر من عقد من الزمن، حين تآمر ثلة من الباعة المتجولين مع متسولة لنصب فخ “أخلاقي” لإمام شهد له الناس بالتقى والصلاح لمجرد أنه طالب بضبط الفوضى أثناء الصلاة، لا يمكن قراءتها اليوم كحالة معزولة، بل هي مدخل ضروري لفهم واقع الاعتداءات المتكررة التي تطال أئمة المساجد، والتي تعيد إلى الواجهة سؤالاً جوهرياً حول مكانة الإمام في الوجدان الشعبي وفي ترسانة القوانين التي تحميه.
إن الربط بين تلك “المؤامرة” القديمة وحالات الاعتداء المعاصرة، يبرز مفارقة غريبة يعيشها الإمام؛ فهو من جهة مُطالب بالاستقامة المطلقة والوقوف في وجه الفوضى والسلوكيات المنحرفة، ومن جهة أخرى يجد نفسه “حائطاً قصيراً” أمام التشهير والاعتداء الجسدي والمعنوي.
وما يجعل الوضع أكثر قتامة هو أن هؤلاء القائمين على الشأن الديني ممنوعون بقوة القانون من العمل النقابي والحزبي، مما يجعل أصواتهم المطالبة بتحسين وضعيتهم المادية خافتة ومحاصرة، لدرجة أن واقعهم المالي بات لا يختلف كثيراً عن وضعية عمال “الإنعاش الوطني”، رغم جسامة المسؤولية الروحية والاجتماعية الملقاة على عاتقهم.
وفي زمن “التوحش الرقمي”، أصبح الإمام هدفاً سهلاً لآلات التشهير التي تتفنن في صياغة الفضائح قبل التأكد من البراءة، كما حدث تماماً في واقعة “بنسودة”.
فالمشهد الذي وثقه المحرضون بكاميرات هواتفهم، والجمهرة التي تجمعت لتكيل السباب واللعن لرجل قضى سنوات في خدمتهم، يعكس سرعة تحول المجتمع من “مأمومين” خلف الإمام إلى “جلادين” له بمجرد ظهور “شبهة” مصطنعة.
وبالرغم من أن القضاء أنصف ذلك الشيخ بعد سنة ونصف من الحبس ظلماً، إلا أن براءته لم تكن كافية لترميم شرخ كرامته، فاختار الهجرة بأبنائه بعيداً عن الحي الذي صلى فيه بالناس عمراً، تاركاً خلفه درساً قاسياً في جحود النفوس.
إن هذه القصص المريرة تفرض اليوم ضرورة تجاوز المقاربة الأمنية أو التنظيمية الصرفة لبيوت الله، نحو إقرار حماية فعلية لكرامة الإمام وحقوقه.
فالإمام الذي يواجه “جيوش” الباعة وفوضى الشوارع المحيطة بالمسجد، يحتاج إلى حصانة قانونية تحميه من تصفية الحسابات والافتراءات الكيدية، وإلى وضع مادي يحفظ له هيبته أمام العامة.
فبدون رد الاعتبار المادي والمعنوي لهذه الفئة، ستظل المحاريب عرضة لانسحاب الأوفياء، وستبقى كرامة الإمام رهينة “نزوة” عابرة أو “مؤامرة” رخيصة قد تُهدم في دقائق ما بناه الصدق في سنوات.
فهل تعتبرون ؟
التعليقات مغلقة.