الانتفاضة/ ابراهيم أكرام
أصبحت شبكات التواصل الاجتماعي في السنوات الأخيرة فضاء مفتوحا لتبادل الأخبار والآراء والتعليقات، بل وتحولت لدى كثيرين إلى مصدر أساسي للمعلومة. غير أن هذا التحول السريع رافقته ظواهر مقلقة، في مقدمتها التسرع في نشر الاتهامات أو تداول أخبار غير مؤكدة، وهو ما يثير تساؤلات جدية حول حدود المسؤولية الأخلاقية والقانونية في الفضاء الرقمي.
فالواقعة التي أثارت الجدل أخيرا تعيد إلى الواجهة مسألة خطورة إطلاق الاتهامات عبر المنصات الرقمية دون التثبت من صحتها أو انتظار ما ستسفر عنه التحقيقات الرسمية. إذ إن سرعة انتشار المعلومة في مواقع التواصل تجعل أي ادعاء، حتى وإن كان غير دقيق، يتحول في ظرف وجيز إلى “حقيقة” يتداولها الآلاف، بل وربما الملايين، قبل أن تتضح ملابساته الحقيقية.
وتزداد حساسية الأمر عندما تصدر هذه الاتهامات عن شخصيات تحظى برمزية أو مكانة داخل المجتمع، سواء كانت سياسية أو حقوقية أو إعلامية أو حتى فنية. فمثل هذه الشخصيات تمتلك تأثيرا كبيرا على الرأي العام، ويمنحها متابعوها قدرا من الثقة والمصداقية، الأمر الذي يجعل كل ما يصدر عنها قابلا للتصديق والتداول على نطاق واسع. لذلك فإن الكلمة في هذه الحالة لا تكون مجرد رأي عابر، بل قد تتحول إلى عنصر مؤثر في تشكيل مواقف الرأي العام وإثارة القلق داخل المجتمع.
ومن جهة أخرى، فإن نشر الاتهامات دون أدلة واضحة قد يفتح الباب أمام التشهير بالأشخاص أو المؤسسات، وهو ما قد يلحق أضراراً معنوية ومهنية يصعب تداركها حتى بعد تكذيب الخبر أو توضيح الحقيقة. فالمعلومة الخاطئة غالبا ما تنتشر بسرعة، بينما يتأخر التصحيح ولا يحظى بنفس القدر من الانتشار.
لهذا، يرى عدد من المتابعين أن المرحلة الحالية تفرض تعزيز ثقافة التحقق قبل النشر، سواء لدى الأفراد أو لدى الشخصيات العامة. فالمسؤولية في الفضاء الرقمي لم تعد مجرد خيار أخلاقي، بل أصبحت ضرورة لحماية السلم الاجتماعي وصون سمعة الأفراد والمؤسسات.
كما أن الوعي الرقمي يلعب دورا أساسيا في الحد من هذه الظواهر، إذ ينبغي على المستخدمين التعامل بحذر مع الأخبار المتداولة وعدم المساهمة في نشرها قبل التأكد من مصادرها. وفي المقابل، يظل دور المؤسسات الإعلامية المهنية محوريا في تقديم المعلومات الدقيقة والتحقق من المعطيات قبل نشرها.
في النهاية، تؤكد هذه الواقعة أن حرية التعبير، رغم أهميتها في المجتمعات الحديثة، تظل مرتبطة دائما بمسؤولية الكلمة. فالتوازن بين الحق في التعبير وواجب التحقق والتثبت يظل شرطا أساسيا لضمان فضاء رقمي صحي يحترم الحقيقة ويحمي ثقة المجتمع.
التعليقات مغلقة.