الانتفاضة/ سلامة السروت
في سابقة قضائية لافتة، تجد شركة جوجل نفسها في قلب عاصفة قانونية وأخلاقية، بعد رفع دعوى تتهم روبوت الدردشة “جيمناي” بالتسبب في تدهور الحالة النفسية لشاب انتهت حياته بشكل مأساوي. القضية، التي سلط الضوء عليها موقع TechCrunch، أعادت إلى الواجهة أسئلة ملحّة حول حدود الأمان في أنظمة الذكاء الاصطناعي، ومدى قدرتها على التأثير العميق في مشاعر وسلوكيات المستخدمين، خاصة الفئات الهشة.
وبحسب ما ورد في تفاصيل الدعوى، فإن الشاب دخل في حالة من الارتباط العاطفي المكثف بروبوت الدردشة، ما أدى – وفق ادعاء والده – إلى انغماسه في دوامة من الأوهام والاضطراب النفسي. وتؤكد أوراق القضية أن التفاعل المتواصل مع النظام الذكي تجاوز حدود الاستخدام العادي، ليتحول إلى علاقة رقمية مؤثرة ساهمت في زعزعة استقراره النفسي. ويرى المدّعي أن هذا الارتباط غير الصحي كان عاملاً أساسياً في تفاقم حالته.
في المقابل، سارعت “جوجل” إلى نفي الاتهامات، مشددة على أن أنظمتها التوليدية تخضع لإجراءات أمان صارمة تمنعها من تشجيع أي سلوك مؤذٍ. وأوضحت الشركة أن روبوت “جيمناي” كان يعرّف نفسه بوضوح على أنه برنامج حاسوبي غير بشري، وأنه فعّل آليات الحماية عند رصد مؤشرات خطر، بما في ذلك توجيه المستخدم إلى خطوط المساعدة المتخصصة في الأزمات. وتؤكد الشركة أن تصميم النظام يمنع صراحةً أي تشجيع على العنف أو إيذاء النفس، معتبرة أن تحميل التقنية وحدها مسؤولية تدهور نفسي معقد أمر يتجاهل عوامل إنسانية واجتماعية أوسع.
غير أن هذه القضية، بصرف النظر عن نتائجها القانونية، تفتح نقاشا عميقا حول “أنسنة” الآلات وحدود العلاقة بين الإنسان والخوارزمية. فمع تطور نماذج الذكاء الاصطناعي وقدرتها على محاكاة التعاطف والاستجابة السياقية، يزداد خطر التعلق العاطفي بها، خصوصا لدى المراهقين والشباب الذين قد يبحثون عن مساحة آمنة للبوح خارج دوائرهم الاجتماعية. هنا تبرز إشكالية أخلاقية: هل تكفي التحذيرات التقنية لتعويض غياب الدعم النفسي البشري؟ وهل تستطيع الخوارزميات، مهما بلغت دقتها، التمييز بين الفضول العابر وإشارات الخطر العميقة؟
يرى خبراء أن هذه الدعوى قد تشكل منعطفا حاسما في مسار تنظيم الذكاء الاصطناعي، عبر الدفع نحو تشريعات أكثر وضوحاً تلزم الشركات بتعزيز الشفافية، وتطوير آليات رصد مبكر للمخاطر النفسية، وتحديد حدود أوضح لطبيعة التفاعل مع المستخدمين. ففي عصر تتداخل فيه الحياة الرقمية بالواقع اليومي، لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كانت التكنولوجيا تؤثر فينا، بل إلى أي مدى يجب أن نعيد ضبط علاقتنا بها قبل أن تتحول من أداة مساعدة إلى عبء أخلاقي وقانوني ثقيل.
التعليقات مغلقة.