قراءة وجداني لنص” سبو…لن تكون اغنيتي الحزينة”،للشاعرة أمينة حسيم.

حوار قلبين ليسا من نفس الجنس . الملكة والنهر .

الإنتفاضة الثقافية 

بقلم: الناقد والباحث مصطفى ياسر العامري.

        حوار قلبين ليسا من نفس الجنس .
      الملكة والنهر .

ليست حكاية من قصص ألف ليلة وليلة وإنما وإقع لحكاية عشق من نوع آخر . آخر بالمعنى العميق للدلالة على قوة اليقين ، وتفسيرا لقول الله تعالى في محكم تنزيله (. ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار ) . والملهم من الناس من يتمعن ويتفكر و يتحدث بلغة الوجدان مع المخلوقات الأخرى دون جنسه ، ويصافحها بيد الفؤاد النظيفة وفي ذلك استحضار لعظمة الله تعالى ، وتجليا لقدرته في الدفائن .
القصيدة التي بين أيدينا هي رسالة روحانية وحوار بين عاشقين لهما نفس الشعور بالإمتلاء العاطفي اتجاه الآخر .
والعنوان نص كبير بليغ اللغة ، سبو ، مناداة و دعوة للإنتباه . يليه خطاب مفعم بالرجاء ( لن تكون أغنيتي الحزينة ) حديث هامس يلامس الأعماق ، ينذر ويرجو في آن واحد ، تنبؤ بحدوث شيء ما ، تتحسس شاعرتنا بلقيس مراكش هواجس سبو ، و تستدر عطفه أن يتوقف ، أن يهدأ ويستكين ، أن يلين كما تلين له ، ماعاد في القلب متسع للحزن . والنفس الجريحة لم تلملم جراحها بعد .
سبو هو …. الطفولة …الصورة الساكنة بهدوء … وهي … الأرض التي يسقيها ( الامل والرجاء ) ….. يا أنت ( مناداة الهائج ) ، ايها الحنين الذي يقربها منها ( استعارة وكناية متخيلة في تعبير مجازي سحري ) تقمص لشخصية تتشظى بسبب غضبة غير محبوبة ( يقربني مني إلي
يحادثني في عمقي
عندما يهرب الفرح مني
. يا الله .
نعوذ للخلف بعض الشيء عند الثالثة من سباعية الرجاء والعتاب لتجيب الملكة ( يامخترقا كل روحي
بضياء الوطن
يامحتلا أناي
بآيات الحب الطفولي
وتراتيل العشق الأبدي .
وعند الرابعة :
ليتني ذاك السر
المنبعث بريقا
كلما قبلت الشمس
وجهك المتوشح
بنور الله .
وفي الخامسة كان الإعجاز اللغوي للتعبير عن خلجات الفؤاد و رؤياه ،
يا ايها الماء الهارب
من حدقة العين
ماؤها غير عذب
ولا فرات .
سبو … رجاء ألا يكون أغنية حزينة … ومن حدقة العين ماء هارب ( دمع منسكب ) مالح غير عذب ولا فرات .
وبعد العتاب تساؤل قلق ، (
جئت تعزف سمفونية الحزن
على الصفاف
تلوح تعويذة سوداء
على عشب القلب ) .
مشهد سوريالي ، لقطة خرافية ، تنبؤ استباقي لما قد يأتي به القدر ، أو ربما علم بما في خلفية التنبؤ ، صورة لراديكالية العشق حين يتجدر في الاعماق ويستوطنها .
سبو … يا أنت ! أعجب للخطاب البديع والعميق وهو يكرر الرجاء ، لكن بمشهد آخر غير بعيد عن سريالية التخيل أو غير قاص عن إلهام التنبؤ .
ماعودتني على الحزن ، هو ذاك ، سبو ومن لا يعرفه ، حنون كأم ، عطوف كأب ، رقيق كنسمة حياة ، جميل كيوسف في بلاط العزيز ، جزيل العطاء كمؤمن لا يخشى الفقر ،
صدمة القصيدة في التعبير لا يمكن تخيلها ولا تصورها ، وهنا يكمن الإلهام الحقيقي :
( ماء يزرع في عيوني
دهشة الذهول ….! )
تعبير خطير من خطورة الكلمة ، البيان ، البلاغة ، المعاني ، المعنى أن تمعن التفكير وتتعمق في قيمة الحروف المستعملة ومخارجها ، ( دهشة الذهول ) ذهول الدهشة كلاهما معبران عن نفس المعنى لكن بقوة مزلزلة ،
( دهشة الذهول )
د — دعوة – درب – دنو ( دعوة لدنو الدرب
ه — هرولة ، همس ، هند ، هيام
هصور ، همام ( قوة وتمكن )
ش — شر ، شرود ، شواظ ( نبوءة بحدث قادم )
ة — مربوطة من الترابط للدلالة على الأمر المكين .
ال — التعريف بالواقع مسألة وقت فقط .
ذ — ذهاب ، ذيوع ، ذمار
شيء ما يخفيه القدر ، فالذهاب أفول لأيام الهدوء وذيوع للخطر في ذمار سبو . والذمار هو الحمى والديار
ه — تكرار لتأكيد التنبؤ
و — الواو للعطف والتعجب والقسم في اللغة وللإستمرار والاسترسال في الحديث وفي كتاب الله للمعية والتأكيد على اقتراب الوقيعة .
ل – لو للإستفسار ، لن للجزم ، لم للنفي .
إن قوة الإدراك الجلية في تعابير الملكة لهو نابع من التجسس على القادم بعين البصيرة وهذا ما يجذب القارى لنصوصها النثرية .
وهذا نلمسه في هذه القصيدة وإن كانت في الرحلة السادسة والسابعة تحاول تخفيف وطأة التخوف وكأنها تحكي لغريب . حبيب بات غريبا . دفقته السحرية تجعلها على قيد الحياة . وتهيئ لها إمكانية العيش بسلام لكن بحذر بل تدفعها للتشظي عندما تقول :
يقربني إلي ، يحادثني في عمقي .
لا تخفي شاعرتنا خوفها الرهيب (أحزان الأيام الموجعة ، تسليني طمأنينة السكينة ، وتنزع عن روحي الأمان ) .
و تعود للأمل ، للرجاء ، لبث آخر رسالة عله يفهمها ( كن صديقي … !
ولا تكن أغنيتي الحزينة
في الغياب … )
وداع محفوف بالخوف .
تستعمل شاعرتنا بلقيس مراكش التعبير المجازي كلغة اساسية في خطابها السردي الشفاف و تبدع في توظيف المعاني فتمهر الجملة مصطلحات تليق بالمنطق المستخدم في القصيدة وهو النفاذ لعمق القصة . فالدهشة والذهول كلاهما يعبران عن نفس الحالة عند العادي لكن عند المتخصص فالدهشة حالة طبيعية للتعبير عن العجب الشديد لكن الذهول اكبر وأعمق وانفذ لكنه المعنى .
الملكة بلقيس مراكش في هذه القصيدة تنبأت ، وتساءلت وأعطت الحلول ، عبرت عن العمق بلغة أعمق وعن البليغ بلغة أبلغ فأخضعت الحرف ولينته ليخدم مقاصدها ومراميها في إيصال الرسائل .

التعليقات مغلقة.