مدن مغربية تتنفس تحت الماء

الانتفاضة

أعادت الفياضانات التي عرفتها بعض مدن المملكة الشريفة طرح  عدة أسئلة ملحة لعل أبرزها مسألة البنية التيحتية التي تتوفر عليها المملكة الشريفة، إضافة إلى الجهود المبذولة من أجل إغاثة الملهوفين ومساعدة الضحايا  بغية تجنب الكوارث لا قدر الله تعالى.

في سنة شتوية استثنائية، اجتاحت الفيضانات عددًا من المناطق في شمال وغرب المغرب، مخلفة وراءها خسائر بشرية ومادية جسيمة.

لكن وراء هذه الأرقام والصور، هناك قصص إنسانية مؤلمة، وجروح نفسية قد تستغرق وقتًا طويلًا للشفاء.

في هذا الموضوع نتطرق إلى الآثار النفسية للفيضانات على المتضررين، ونستكشف كيف يؤثر هذا النوع من الكوارث على الصحة النفسية للأفراد والمجتمعات، وما هي السبل الكفيلة بمساعدتهم على تجاوز هذه المحنة واستعادة حياتهم الطبيعية.

كانت ليلةً قاسية الوطأة، ليلةً شتوية استثنائية انهمرت فيها أمطار غزيرة لم تألفها المنطقة من قبل.

يقول أحد الفلاحين المتضررين من فيضانات نواحي القصر الكبير، بنبرة يثقلها التأثر: “لم أكن أشعر إلا بالخوف والارتباك وأنا أرى كل ما أملك يتلاشى أمام عيني.

كنت على وشك أن أفقد ابني وزوجتي”.

ويضيف أن القرار الوحيد الممكن في تلك اللحظات الحرجة كان إنقاذ الأرواح، إذ لم يكن هناك متسع للتفكير في أي شيء آخرى.

هذا الإحساس الذي عبّر عنه هذا الفلاح البسيط يكشف، في جوهره، حالة من الذهول وقلة الإلمام بطبيعة ما كان يحدث أمامه، نظراً لكون مثل هذه الكوارث لم تكن مألوفة بهذا الحجم في المغرب.

وذلك ما حدث بالفعل لذلك الفلاح، الذي ظل واقفاً مذهولاً وهو يرى حصيلة سنوات من الكدّ تتبدد أمام ناظريه، فالرجل فقد في لحظات 80 رأسا من الأغنام، وأشجار زيتون ومزروعات من الحبوب أتت عليها السيول بدون رحمة.

فهذا الرجل كان قد خاض صراعاً طويلاً مع إخوته حول إرث والده، قبل أن تنصفه العدالة في نهاية المطاف.

و عندها اتخذ قراراً حاسماً بمغادرة مدينة الدار البيضاء والتوجه نحو الشمال لبناء حياة جديدة؛ أسس أسرة وأطلق مشروعاً فلاحياً خاصاً به، مدفوعاً بقناعته بأن أراضي الشمال أكثر خصوبة وأن شتاءها أغزر مطراً من غيره من المناطق، على حد تعبيره.

وهناك استقر مع عائلة زوجته، مبتعداً عن دوامة الخلافات العائلية التي لاحقته في بلدته الأصلية.

ووفق أرقام وزارة الداخلية، ليوم 6 فبراير الجاري، تم إجلاء 112 ألفاً و695 شخصاً بإقليم العرائش، و14 ألفاً و79 شخصاً بإقليم سيدي قاسم، و4 آلاف و361 شخصاً بإقليم سيدي سليمان، إضافة إلى 23 ألفاً و174 شخصاً بإقليم القنيطرة.

ومن بين أكثر الجماعات تضرراً في هذا الإقليم تبرز جماعة “المكرن”، التي صرّح رئيسها منصور قريطة لمنصة “هوامش” بأنه جرى إجلاء ما يفوق تسعة وتسعين في المئة من سكان الجماعة، “إن لم أكن أبالغ”، على حد قوله. كما تكبدت الجماعة خسائر فلاحية فادحة، مستشهداً بتجربته الشخصية إذ فقد، بصفته فلاحاً، أكثر من 450 هكتاراً كان يملكها.

و من أكثر الأمور التي تؤرق المواطنين المتضررين هو مدى سرعة الاستجابة والعودة إلى الحياة الطبيعية، خصوصاً عندما يرون نماذج لكوارث طبيعية سابقة خلفت أضراراً لازالت تُعاش إلى اليوم.

وأبرز مثال على ذلك ضحايا زلزال الحوز، الذين لا يزال بعضهم يعيشون في الخيام، فيما تلقى البعض الآخر تعويضات ناقصة.

تلعب منصة “تلميذ تيس”، التي أطلقتها الوزارة خلال فترة وباء كوفيد-19، دوراً كبيراً في ضمان استمرار التعليم عن بعد للأطفال.

فهذه المنصة مجانية، وتحتاج فقط إلى وجود شبكة إنترنت للوصول إلى الدروس، كما أن بعض الأساتذة أنشأوا مجموعات على الواتساب لضمان استمرارية التعليم عن بعد.

في ظل هذه الوضعية، تتعدد التطلعات فالبعض ينتظر تعويضا منصفا بعد الخسائر التي تكبدها، والآخر ينتظر العودة إلى قسمه الدراسي، بينما يدعو البعض إلى إجراء مسح إحصائي وتشخيص ميداني لتحديد الاحتياجات النفسية.

والآخرون مطمئنون بإعلان جماعتهم مناطق منكوبة لتسهيل التعويضات والمساعدات، وآخرون يطالبون بإنقاذ الفلاحين بمنطقة مشرع بلقصيري.

أما أحدهم، فيؤكد على ضرورة تكامل الجوانب النفسية مع الإنسانية والاجتماعية لإنقاذ الإنسان ومساعدته على تجاوز هذه الفاجعة، التي ستبقى درسًا للجميع.

التعليقات مغلقة.