الانتفاضة/ سلامة السروت
في ظل الارتفاع المتواصل لمنسوب مياه سد وادي المخازن، تعيش مدينة القصر الكبير على وقع تعبئة شاملة واستنفار متواصل لمواجهة مخاطر الفيضانات، وسط إجراءات استباقية اتخذتها السلطات المحلية بتنسيق مع مختلف المصالح المختصة، بهدف حماية الأرواح وتقليص الخسائر المحتملة.
وقد باشرت السلطات المحلية، منذ الساعات الأولى لظهور مؤشرات الخطر، عمليات ترحيل وإجلاء عدد من السكان القاطنين بالأحياء والدواوير المهددة بالسيول، نحو مدن ومناطق مجاورة أكثر أمانا. وتمت هذه العمليات باستعمال حافلات ووسائل نقل جرى تسخيرها خصيصا لهذا الغرض، مع الحرص على تنظيم العملية بشكل يضمن الكرامة الإنسانية للمواطنين وسلامتهم، خاصة الفئات الهشة من أطفال، وكبار سن، ومرضى.
وتندرج هذه الخطوة ضمن مقاربة استباقية تعتمدها السلطات العمومية للتعامل مع الكوارث الطبيعية المحتملة، حيث جرى تفعيل مخططات اليقظة والوقاية، تحسبا لأي تطور مفاجئ في الوضع الهيدرولوجي، خاصة في ظل التساقطات المطرية الأخيرة التي ساهمت في الرفع السريع لمنسوب المياه بسد وادي المخازن، أحد أكبر السدود بالمنطقة.
وتشهد مدينة القصر الكبير، في هذا السياق، تعبئة شاملة لمختلف المتدخلين، من سلطات محلية، وقوات أمن، ووقاية مدنية، ومصالح تقنية، إضافة إلى أطر وزارة التجهيز والماء، حيث تعمل هذه الجهات بشكل منسق على تتبع الوضع ميدانيا، واتخاذ القرارات المناسبة في الوقت المناسب. ويجري التوفيق بين تشديد إجراءات السلامة داخل الأحياء المتضررة أو المهددة، وضمان استمرارية الحد الأدنى من خدمات التنقل والسفر الضرورية للمواطنين، تفاديا لحالة الشلل التام.
وفي إطار هذه التدابير، أعلنت وزارة التجهيز والماء، مساء أمس السبت، عن قطع مؤقت لحركة السير بعدد من المحاور الطرقية الحيوية، بسبب ارتفاع منسوب المياه وخطورة المرور. ويتعلق الأمر بالطريق الوطنية رقم 1 الرابطة بين سوق الأربعاء والقصر الكبير، وذلك على مستوى المدخل الجنوبي للمدينة، إضافة إلى الطريق الجهوية رقم 410 الرابطة بين العرائش والقصر الكبير (طريق مزدوج)، على مستوى المدخل الغربي للمدينة.
وأكدت الوزارة أن هذا القرار جاء بناء على تقييم تقني دقيق للوضع، وبهدف تفادي وقوع حوادث سير قد تكون عواقبها وخيمة، داعية مستعملي الطريق إلى التحلي بالصبر، واحترام تعليمات السلطات، واستعمال المسالك البديلة المتاحة إلى حين تحسن الظروف وعودة الوضع إلى طبيعته.
وعلى المستوى الاجتماعي، خلفت عمليات الإجلاء والترحيل حالة من القلق والترقب في صفوف الساكنة، خاصة لدى الأسر التي اضطرت إلى مغادرة منازلها بشكل مؤقت. غير أن عددا من المواطنين عبروا عن تفهمهم لهذه الإجراءات، معتبرين أنها ضرورية في ظل المخاطر القائمة، ومشيدين بسرعة تدخل السلطات وحسن تنظيم عمليات الإيواء والنقل.
وقد تم، بالموازاة مع ذلك، فتح مراكز إيواء مؤقتة مجهزة بالضروريات الأساسية، من أفرشة وأغطية ومواد غذائية، مع توفير الرعاية الصحية الأولية، وذلك لضمان ظروف إنسانية ملائمة للمرحلين، في انتظار انقشاع الخطر وعودة الأمور إلى الاستقرار.
ويجمع متابعون للشأن المحلي على أن ما تعرفه القصر الكبير يعكس هشاشة بعض المناطق أمام التقلبات المناخية، ويعيد إلى الواجهة إشكالية تدبير المخاطر الطبيعية، وضرورة الاستثمار أكثر في البنيات التحتية الوقائية، مثل تقوية قنوات تصريف المياه، وتأهيل المجاري المائية، ومراقبة التوسع العمراني، خاصة في المناطق المنخفضة والمعرضة للفيضانات.
كما يبرز هذا الوضع أهمية التواصل المستمر مع المواطنين، وتزويدهم بالمعلومات الدقيقة والآنية، لتفادي الإشاعات وحالات الهلع، وتعزيز الثقة بين الساكنة والمؤسسات. وفي هذا الإطار، حرصت السلطات على إصدار بلاغات دورية، وتعبئة أعوان السلطة لتوجيه المواطنين ميدانيا، وتقديم الإرشادات اللازمة.
ومن المرتقب أن تستمر حالة التأهب خلال الأيام المقبلة، في انتظار استقرار منسوب مياه السد وتحسن الأحوال الجوية. وتبقى أعين الساكنة معلقة بتطورات الوضع، على أمل تجاوز هذه المرحلة بأقل الخسائر الممكنة، والعودة إلى الحياة الطبيعية في أقرب الآجال.
وفي المحصلة، تؤكد التطورات الجارية بمدينة القصر الكبير أن التعامل الاستباقي مع المخاطر الطبيعية يظل الخيار الأنجع لتفادي الكوارث، وأن حماية الأرواح تظل أولوية قصوى، مهما كانت كلفة الإجراءات المتخذة. كما تشكل هذه التجربة درسا إضافيا في أهمية الجاهزية، والتنسيق بين مختلف الفاعلين، لمواجهة تحديات باتت تتكرر بفعل التغيرات المناخية المتسارعة.
التعليقات مغلقة.