“مال الجزائر مقلقلة”؟

الانتفاضة

من الصور المؤلمة التي رصدتها وسائل إعلام عالمية وانتشرت على وسائل التواصل الإجتماعي، خروج جماهير جزائرية منتصف الليل للاحتفال بانتصار منتخب السنغال، ليس فرحاً بالإنجاز نفسه، بل نكاية وتشفياً في المغرب. وما يجعل الحدث أكثر سوداوية، المفارقة الصادمة أن السلطات التي سمحت بهذه الاحتفالات “العفوية” ما زالت تمنع كل مظاهرة تضامنية مع غزّة، ما يطرح سؤالاً مقلقا حول درجة الصفر للاستغلال السياسي لمشاعر الجماهير لتوجيهها حسب أهواء السلطة ومزاجها، وإلا كيف نفسر عدم خروج مثل هذه المظاهرات العفوية عامين من حرب الإبادة في غزّة؟

خروج جماهير جزائرية منتصف الليل للاحتفال بانتصار منتخب السنغال، ليس فرحاً بالإنجاز نفسه، بل نكاية وتشفياً في المغرب

كل هذه السلوكات السلبية تضع أمامنا تساؤلاتٍ حول الاستغلال السياسي والإعلامي لكرة القدم في بعض الدول، خصوصاً في السياقات السلطوية، فقد كشفت هذه الدورة عن فارق كبير بين الدول التي تتمتّع بحد أدنى من التقاليد الديمقراطية، حيث كانت جماهيرها وإعلامها يُعاملان المباريات لعبة لصناعة الفرح تنتهي بانتهاء الأشواط، عكس الدول السلطوية التي حولت مباريات منتخباتها إلى ساحة للحروب السياسية والشوفينية والإعلامية، مع تحوّل الجماهير واللاعبين والإعلام إلى أدوات لتصفية الخلافات السياسية وإذكاء النعرات الشوفينية والهوياتية القاتلة.

لذلك، الدعوات الشوفينية التي صدرت عن بعض الإعلاميين و”المثقفين” المغاربة بعد خسارة فريقهم، والمطالبة بالقطيعة مع أفريقيا والعرب، تفتقر إلى الحكمة وتتجاهل حقيقة أن لعبة كرة القدم كانت أصلاً وسيلة للفرح والتقارب، ويجب ألا تعمينا مباراة لم تكن نتيجتها في صالح منتخبنا عن معرفتنا بمن نحن، وما هي هويتنا، وما هو موقعنا الذي رفعنا في عيون الآخرين وأكسبنا احترام العالم، ويستحقّ منا الحفاظ على التوازن بين الحماسة الرياضية والانتماء الحقيقي لقيمنا الوطنية والقارية.

خلاصة القول، يمكن اعتبار أن دورة كأس أفريقيا 2025 في المغرب كشفت لنا عن وجهين متناقضين، وجه مضيء يعكس قدرة المغرب على التنظيم المحكم والأنيق، وتفاني لاعبيه في القتال داخل المربع الأخضر، وشغف جمهوره بالمستديرة الساحرة، ووجه مظلم يظهر حدود وعي بعض الجماهير والإعلاميين والسياسيين في التعامل مع الرياضة. … صحيحٌ أن الكأس لم تُحرز، لكن الدروس المستفادة أكبر من أي تتويج؛ فالمغرب قدّم للعالم صورة بلد متحضر، وشعب متحمس، وجمهور رياضي عاقل، وهي صورة ستظلّ في الذاكرة، وربما تكون أهم من الكأس نفسها، لأنها تعكس قيمة الرياضة الحقيقية التي تُختزل في الفرح والاحترام المتبادل والانتماء المشترك لما هو إنساني وعالمي.

التعليقات مغلقة.