الانتفاضة/ سلامة السروت
في سياق دينامية إصلاح منظومة العدالة بالمغرب، نظمت محكمة الاستئناف بمراكش يوم الجمعة 21 نونبر 2025 يوما دراسيا علميا متميزا حول موضوع: “دور النيابة العامة وفق أحكام القانون رقم 03.23 المغير والمتمم للمسطرة الجنائية”. وقد شكل هذا اللقاء مناسبة لإعادة قراءة مستجدات القانون الجديد، الذي يمثل خطوة متقدمة في تحديث قواعد العدالة الجنائية وتعزيز ضمانات المحاكمة العادلة وفعالية أجهزة التحقيق والمتابعة.
ترأس أشغال هذا اليوم الدراسي خالد كردودي، الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بمراكش، بحضور وكلاء الملك وقضاة النيابة العامة بالدائرة القضائية الاستئنافية، وذلك انسجاماً مع التوجيهات الواردة في منشور رئيس النيابة العامة رقم 25 المتعلق بتفعيل المقتضيات المستحدثة في القانون 03.23. وقد أكد الوكيل العام للملك، في كلمته الافتتاحية، على أهمية مواكبة التحولات التشريعية من خلال تكوين مستمر يضمن توحيد الرؤى وتجاوز الإشكالات التطبيقية التي قد تطرح مع بدء العمل بالنصوص الجديدة.
استهل اللقاء بعرض شامل لأبرز التعديلات التي جاء بها القانون رقم 03.23، والتي همت أساسا مرحلة البحث التمهيدي، حيث تم تعزيز الرقابة القضائية على إجراءات الضابطة القضائية، وتوسيع صلاحيات النيابة العامة في تأطير البحث وتوجيهه بما يضمن احترام حقوق الأفراد وتحقيق فعالية أكبر في كشف الجرائم. كما تطرق العرض إلى المستجدات المرتبطة بالمساطر القضائية، خاصة ما يتعلق بتقوية ضمانات الحرية الشخصية وإرساء آليات جديدة لترشيد الاعتقال الاحتياطي، أحد أهم أوراش إصلاح العدالة الجنائية.
وضم البرنامج العلمي لليوم الدراسي أربع مداخلات محورية قدمها قضاة ووكلاء الملك، ركزت كل منها على جانب من الجوانب العملية للتطبيق. وقد تناولت المداخلة الأولى مستجدات القانون في مرحلتي البحث والتحقيق، مع إبراز أهم التغييرات التي طالت آليات الإشراف على الضابطة القضائية، وآليات العمل بين النيابة العامة وقضاة التحقيق، إضافة إلى التحولات التي أدخلها النص الجديد على مساطر التفتيش والحجز والاستماع، بما يتماشى مع مبادئ الشرعية الإجرائية وضمانات الدفاع.
أما المداخلة الثانية، فقد خصصت لـ تدبير قضايا العنف الأسري، وهو مجال عرف اهتماما تشريعيا خاصا في السنوات الأخيرة بالنظر إلى حساسيته الاجتماعية. وتم تسليط الضوء على الإجراءات المستحدثة لحماية الضحايا، وخاصة النساء والأطفال، من خلال آليات التدخل الاستعجالي، وإمكانية إصدار أوامر قضائية فورية، وتشديد المراقبة على مرتكبي العنف. كما تم التأكيد على دور النيابة العامة في التعامل مع هذه القضايا بصرامة ونجاعة، وفي الوقت ذاته بحرص على حفظ كرامة الأطراف وضمانات المحاكمة العادلة.
وتناولت المداخلة الثالثة مستجدات تدبير الأبحاث القضائية وفق القانون الجديد، حيث أبرز المتدخلون أهمية الرقمنة في تسريع الإجراءات وتحسين الشفافية، إضافة إلى آليات تتبع الشكايات والتصدي للتجاوزات التي قد تطرأ في مراحل البحث المختلفة. وتم التأكيد على أن هذه الإصلاحات تسعى إلى مأسسة العمل القضائي وتجاوز الطابع الورقي التقليدي نحو منظومة رقمية متكاملة.
أما المداخلة الرابعة فتمحورت حول دور النيابة العامة في مرحلتي التحقيق والمحاكمة، مع تركيز خاص على ما جاء به القانون الجديد بخصوص تنفيذ العقوبات، وتفعيل مسطرتي الإكراه البدني ورد الاعتبار وفق معايير أكثر إنصافا وتوازنا بين حقوق المحكوم عليهم ومصلحة المجتمع. وقد أشار المتدخلون إلى ضرورة ملاءمة هذه المساطر مع المبادئ الدستورية ومع الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب.
واختتم اليوم الدراسي بنقاش عام موسع شارك فيه مختلف القضاة الحاضرين، حيث تم التأكيد بالإجماع على أن مواكبة هذه المستجدات تتطلب تكوينا مستمرا ومنظما، باعتباره الضامن الأساسي لحسن تفعيل النصوص القانونية والرفع من أداء النيابة العامة في ممارسة مهامها القضائية. كما خلص المشاركون إلى أن القانون 03.23 يشكل منعطفا مهما في مسار تحديث العدالة الجنائية، لكنه في المقابل يحتاج إلى مقاربة عملية منسجمة بين مختلف الفاعلين لضمان التطبيق الأمثل لمقتضياته.
وبهذا، يكون اليوم الدراسي لمحكمة الاستئناف بمراكش قد أسهم في فتح نقاش قضائي معمق حول تحولات المسطرة الجنائية، مؤكدا من جديد أن إصلاح العدالة لا يكتمل بمجرد إصدار القوانين، بل يتجسد في التطبيق الرشيد والواعي لها خدمة للعدالة وسيادة القانون.
التعليقات مغلقة.