الانتفاضة/ محمد خلوقي
(الصمت ) مساحته ،داخل الانسان ،شاسعة وواسعة ، لا يُجلّيه ولا يكشف عن مكنوناته واسراره الا (الصوت )، وحين يعجز الصوت -احيانا -عن عملية استجلاء ذاك المدفون والمكنون ، وإخراج تفاصيله الى الوجود كاملا تاما وبلا نقص ، يغرق الانسان- العاقل والفاهم -ساعتها في عزوف نفسي ، وهروب مقصودة عن انتاج ذبذبات صوتية لا نفع ولا منفعة منها ، فيدخل على إثرها في عزلة من الصمت الطويل و الرهيب ، والغريب ، والذي يُحيِّر فضول الصائتين الثرثارين، بل يدفعهم الى الحكم على صاحبه بألقاب وصفات :الاكتئاب والاغتراب ، والصدمة واللكمة ، واليأس والقنوط ..
والحقيقة ان سبب عزوف الانسان الصامت العاقل عن التصويت والثرثرة، قد يكون :
1- بدافع قناعته وتخوفه من ان يفقد المزيد مما تبقى له من ذرره الصامتة ، التى تعِب طوال عمره متأملا متدبرا في التنقيب عنها ، كي يصنع منها قِلادةَ وعي وفكر وقيم ، تُزيِّن جيد كل زمن اصيل جميل .
2- او هو بسبب تزايد نسبة وعيه الحارق بعدم جدوى الكلام ، وتاثير ذبذباته في قوم تزايدت فيهم نسبة الطَّرَش و الصَّمَم .
(الصمت )قد يكون نجاةً ،يجنب صاحبه الوقوع في الزلل ، او التعرض للنقمة ، او قد يكون محنة ونقمة تعرض صاحبه الى الدونية والاستضعار ، او الاذعان.
إلا ان الصمت المُدرَك لغاية ومقاصد لزومه ، يكون هو المحمود لما فيه من افادة ونفع :
كصمت التأمل ، وصمت التأهب ، وصمت النقد والمراجعة والمحاسبة، وصمت البناء الذاتي ، وصمت الحياء ..
وان تجاوز الصمت حدوده المقبولة ، وتبريراته المعقولة ، تحوَّل الى مرض وضرر ، يُطيل عمر الثرثرة الفارغة ، و يفتح مساحة أكبر لذبذبات النشاز .
التعليقات مغلقة.