الطاحونة ونصف الكأس الفارغ

الانتفاضة/ بقلم محمد السعيد مازغ

حملوني كَدُمْيَةٍ مبْثورة الأطراف ،ثم وضعوني داخل كأس يظهر فيه الجزء العلوي من الجسد ، ولا يرى نصفي الآخر  المشلول الذي يحد من حركتي، ويُسطِّر لي عددا من الخطوط الخضراء والصفراء والحمراء ، ويلقنني أيضآ دروسًا في إشارات المرور ، هذه علامة قف ، وهذا اتجاه ممنوع ، وذاك طريق ممنوع على العموم ، مفتوح في وجه من يحمل شارة عبور ، وآخر منعرج خطير ، وطريق مقطوع أو منحرف.. تعددت العلامات ، واختلفت الألوان والأحجام، وقيل أن كل لبيب بالإشارة يفهم ، ومن لا يعرف الوحي أحمق ، والعبد يقرع بالعصا ، والحر تكفيه الإشارة. 

حمل العِرْبيدُ الكأس ، كان يتمايل يمينًا وشمالا ، لا يهُمُّه إِنْ تكَسَّر الكأس أو بقيَ سالمًا ، ولا يَأْبَه لما في قعر الكأس من بقايا ومخلفات ، فكل ما في الكؤوس قابلٌ لِلْبَلْعِ  إذا لذَّ طعمه ، أو يُخَزَّنُ إذا صَلُحَ للتَّخزين ،أو يُرَوَّض إذا أمكن ترويضه . أو يُلقى به في القمامة إذا بات عصِيًّا على المضغ ، وعصارات المعدة.. كل  الكؤوس تتشابه، لا يصلح إلا للاستعمال الخارجي مثل مناديل الحَمّامات، وبعض ملصقات الانتخابات.. وتجنبا للمبالغة ، فمسألة التشابه ليست حقيقة مطلقة َولا خلاصة بحث علمي، أو كما قال إينشتاين ليست بديهيات ثابتة، وإنما هي مجرد عادات فكرية.. وفي واقع الحال هي عجينة مُزَوَّدة بخليط من الثوابل المشبعة بالزيوت المهدرجة ذات المفعول السحري في ضرب المصداقيات، وشراء الضمائر، والتشكيك في المقاصد، وبناء المفاعلات النووية في مصانع التُّهم الجاهزة ، فلن يعود للكفاءات قيمة ، ولا حاجة لليد العاملة، – “يموت مليار من البشرية، لتعيش الملايين المتبقية مستمتعة برغد العيش وبحبوحته-“. .. الخطر القادم ، هو الاستهانة بقدرات الانسان ومهاراته ، سباق محموم من أجل ما أطلقوا عليه اسم :”الذكاء الاصطناعي” ، الذي يؤدي الوظيفة أفضل بكثير من الانسان ، وينوب عنه في الكتابة والتعبير والبرمجة، وفي الصناعة والفلاحة والملاحة ، وفي أعماق الأرض وعنان السماء. فلا حاجة للبلد بصحافيين يحشرون أنفهم فيما لا يعنيهم ، ولا حاجة للأستاذ والقاضي والمحامي، ولا للمهندس والطبيب والعالم… لا حاجة للكتب الصحاح: صحيح البخاريّ، صحيح مسلم،   سُنَن أبي داود، سُنَن الترمذيّ، سُنَن النسائيّ، سُنَن ابن ماجة.  فقراءة القرآن تكفي ، وغدا يُحدَف من حياتنا اليومية لأنه لا يمثل زماننا، ولم تعد لآياته الكريمة أثر في سلوكاتنا… نعم للإباحية ، وللمِثْلِية، وللعلاقات الجنسية الرضائية، وزنى المحارم….  حرب ضروس على القيم الدينية  الأخلاقية ، ليس من طرف أعداء الدين الإسلامي فقط، بل وأيضا من أبناء جلدتنا، فمن وزرائنا من دعا إلى عدم تجريم العلاقات الرضائية، ومنهم من دعا إلى الإفطار الجماعي في رمضان في وضح النهار … 

 الملك محمد السادس بصفته أمير المؤمنين أكد بصريح العبارات أنه لا يحل حراما ولا يحرم حلالا، وأن على الشعب المغربي الالتزام   بالشريعة الإسلامية، وبدستور المملكة الذي ينص على أن الإسلام هو دين الدولة المغربية يجب أن يحترم، ويضرب على يد كل من سولت له نفسه الدعوة إلى الاستبداد، والانحلال الخلقي، وإلى الفتن الطائفية والتقليد الأعمى.

التعليقات مغلقة.