الانتفاضة
قالت له : لم تكتبْ لي منذ فترة ، لماذا !؟
فقال لها : وماذا اكتب لك ؟
وعن أيّ شيء تريدين الكتابة ؟
عن جوهرك الذي ما برحت الآلام تصهره كما تصهر النار الذهب ،
أم عن محيطٍ طاغٍ وجبار نصارعه كل يوم فنصرعه مرَّة ، ويصرعنا عشرا ، أم عن الذين لم يدركوا حبَّنا !؟
فقالت له : دعنا نترك اليأس قليلا ونسرح بخيالنا لمدينةِ أحلامنا كي نشعرَ بروحِ الشبابِ والسعادةِ .
فقال لها : عن شبابٍ خائفٍ يلهط خلف ذاتهِ المبتذلة !؟
عن بحثنا غير المجدي لمنقذ يخلصنا !؟
حتى لو كان المسيح الدجال أو عاهرة تفتك بالأجساد عن نفاق اجتماعي بغيض يحلل له ويحرّمُ علينا ، عن دين مزيف متلاعب به لمصلحة ما ، عن رغباتنا المكبوتة التي خلقها الخالق لنحيا بها ، عن حبٍّ اسّسوا له عيدا وهو حزين لآلاف موتاه ، عن حريه زائفة والعبودية تغمرنا !
عن ماذا تريدين انْ اتحدث واكتب !؟
وأيّ خيال نستطيع صنعه ، وقد مُلِئتْ أرواحنا حزنا في هذي البلاد العراقية !
فنظرت إليه بعيون واسعة ولمعة دمشقية تصيب كل من رآها بذهول يصل حد الصمت وعلى أطراف رمشيها قطرات الدمع تقفُ .
قال لها : عزيزتي لا تبكي ، ربما يأسي شيء طبيعي فأنا أعيش في بلد عبارة عن كتلة من الأحزان ، والأمل صار فيها يتلاشى ، ولكنك ما دمتِ معي ، كلما غاب الأمل اشرقتِ .
فلا تحزني لمجرد كلام قلته عند لحظة أسىً .
قولي يا أميرتي : عن أيّ شيء تريدين احكي واكتب لكِ ؟
وبإبتسامة رقيقة قالت له : تكلم عنّي …
فقال لها: أتريدين أنْ احدثك عن حبي الذي فاق وصف العاشقين !؟
أم عن عينيك الناعستين وأنفك اللوزي ، أم شعرك المجنون يهب مع الريح كشعر غجري ، أم عن شاماتك كصحن كرز ، أم عن اظفارك التي تنغرس براحة يدي دون ألم !؟
عن دلالك أحدثك يا سيدتي ومرح الطفولة فيك ، وقد بانَ بياضُ أسنانها فرحا ونشوة !؟
ثم قالت : أكلّ هذا أنا !؟
فقال لها : بل انتِ نغزتي الرائعة والسبب الذي يجعل حروفي تسيل كحبّاتِ مطرٍ من سحابة عشقي .
قولي وسأنحت لكِ الأغاني والقصائد واطشُّ الألوان في كل امكنتك ، قولي لشهريارك ماذا تريدين يا مليكتي ؟
قالت : لا أريد سواك في حياتي ، لا أريد سوى تلك الكلمات التي اصبحت لغتي ، لا اريد سوى صوتك الذي اصبح ألحاني ، وكفك الذي يحتوي كفي فيشعرني أنّني بمكانٍ آمنٍ محاطة بقوه عسكرية رهيبة ، لا أحد يستطيع الإقتراب منّي .
أنت أمانيّ ، أنت سرُّ سعادتي ، أنت حياتي وأملي .
فقال لها : ألهذا الحدّ مولعة بي !؟
قالت : بلا حدود أحبك ، احببتك لدرجه انني أحببت الوجع حين يكون منك ، أحببتك بكل معاني الحب ، بكل حروف العشق ، أحببتك لدرجة انّ لغتي لا تسعفني كي أعبّر لك عمّا بداخلي ، ولا أعرف ما هو ، ولكني واثقة انه لك ومن اجلك .
فقال لها : تطلبين منّي الحديث والكلام والكتابة ، وانتِ تجيدين ذلك بجدارة !
فردت قائلة : انا اكتب لأنك تكتب ، وأحبُّ لأنك موجود ، وأعيش لأنك تتنفس ، وأبتسم لأنك تضحك ، وأرسم لأنك أجمل لوحاتي ، واحفظ الشعر لأنك قصيدتي ، وأتأمل لأنك بقربي وأهدأ لأنك سكينتي .
فقال لها : أحببتُ الكثير قبلك ولكنهن هربْنَ منّي والخوف من الحب كان يملأهن ، إلاّ انتِ ؛ فشجاعتك من طيات روحك ، عرفتني كأني رافقتك منذ عشرات السنين فأعلنتِ عن حبّك .
فقالت : لأنني احببت غضبك قبل سعادتك وأحببت عقابك قبل رحمتك وأحببت الضجة فيك قبل هدوءك وأحببت فيك الطيش قبل رزانتك وأحببت روحك قبل ثروتك ، انا احب سيئاتك قبل حسناتك ، لذا انا مختلفة عن الأخريات .
فرد قائلا : لست بهذا الجمال ، فكلامك يجعلني اخجل من نفسي !
فقالت : يزيدك الخجل جمالا .
فقال لها : احبك ، بجنون أحبك …. أحبُكِ .
التعليقات مغلقة.