الانتفاضة
في مشهد يعيد إلى الأذهان أعقد محطات التوتر التنظيمي داخل حزب الاتحاد الاشتراكي ، وجد الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، إدريس لشكر، نفسه مرة أخرى في مواجهة عاصفة من الانتقادات الحادة. وفي خطابه الأخير أمام أشغال المجلس الوطني للحزب، اختار لشكر لغة المكاشفة والتحذير، منتقدا بشدة ما وصفه بمحاولات الهدم لا البناء ، التي تستهدف المؤسسة الحزبية من طرف خصومه، في إشارة واضحة ومباشرة إلى أسماء وازنة تقود المعارضة الشرسة لسياساته، وعلى رأسها القيادية والبرلمانية السابقة حسناء أبوزيد.
اعتبر متتبعون للشأن الحزبي أن لجوء إدريس لشكر إلى منصة المجلس الوطني للحديث عن تعرض قيادة الحزب لحملات ممنهجة تهدف إلى النيل من وحدته، يعكس ضيق ذرع القيادة الحالية بتنامي الأصوات المعارضة. فبينما يرى مناصرو الكاتب الأول أن هذه الانتقادات تتجاوز النقد البناء لتخدم أجندات ترمي إلى التشويش على استقرار الحزب وموقعه السياسي، يرى المنتقدون أن لشكر يحاول “التباكي” واستدرار عطف القواعد الحزبية، عبر تصوير أي معارضة لقراراته كخيانة أو تهديد لمسار “الوردة”.
وقد دأب لشكر في محطاته التنظيمية على دق ناقوس الخطر بشأن المخاطر المحدقة بالحزب، محاولا حشد الصفوف وشد عصب المناضلين حول مشروع استمرارية القيادة، في وقت تعاني فيه التنظيمات الحزبية من تراجع منسوب الثقة العامة وجدلية التموقع كان آخرها الاخفاق في الانتخابات الاخيرة
في المقابل، تستمد معارضة حسناء أبوزيد وزنها السياسي والشعبي من خطاب نقدي جريء ومتابع بكثافة واسعة داخل وخارج أسوار الحزب. وتصر أبوزيد، إلى جانب تيارات غاضبة أخرى، على ضرورة فتح نقاش شجاع حول الديمقراطية الداخلية، وتخليق الحياة الحزبية، ومراجعة الخيارات السياسية والتنظيمية التي سلكها لشكر في السنوات الأخيرة، والتي أدت – حسب منظورها – إلى تآكل الأدوار التاريخية للاتحاد الاشتراكي.
وتحظى خرجات أبوزيد بتفاعل لافت من طرف قطاع عريض من المناضلين التاريخيين والشباب المتعاطفين مع الخط اليساري الأصيل، نظرا لتركيزها على ضرورة العودة إلى قواعد العمل الجماعي وربط المسؤولية بالمحاسبة، بعيدا عن التدبير الفئوي أو الشخصي للقرار الحزبي.
تأتي هذه التطورات لتكرس حالة الاحتقان المستمر داخل بيت الاتحاد الاشتراكي، حيث يرى مراقبون أن الصراع لم يعد مجرد خلاف حول تدبير مرحلة سياسية معينة، بل تحول إلى صراع عميق حول الهوية والدور. فبين براغماتية القيادة الساعية إلى الحفاظ على مواقع النفوذ وتوازنات المشهد، ومثالية المعارضة المطالبة بالانبعاث الفكري والديمقراطي، تبقى “الوردة” ممزقة بين رغبتين: رغبة البقاء في واجهة القرار، ورغبة استعادة الألق النضالي والتاريخي.
ومع استمرار شد الحبل بين قيادة تحصن شرعيتها التنظيمية ومعارضة تراهن على الشارع الحزبي والرأي العام، يظل السؤال المعلق في أذهان الاتحاديين: هل تفلح هذه الهزات الارتدادية في إحداث رجة تصحيحية تعيد للحزب بريقه ؟