بعد العراق.. واشنطن تنسحب وإيران تتحرك لإخراج أميركا من الشرق الأوسط

0

الانتفاضة/ فاطمة الزهراء صابر 

تتجه الأنظار مجددا إلى نتائج الحضور العسكري الأميركي في الشرق الأوسط، في ظل مغادرة القوات الأميركية للعراق بعد أكثر من عقدين على بدء التدخل العسكري، بالتزامن مع تصاعد الرؤية الإيرانية الرامية إلى تقليص النفوذ الأميركي في المنطقة.

وتطرح نهاية المهمة العسكرية الأميركية في العراق تساؤلات بشأن حصيلة الحرب التي بدأت سنة 2003، خاصة أن التجربة كشفت، بحسب ما أوردته صحيفة «واشنطن بوست»، محدودية الاستعداد الأميركي لفهم طبيعة المجتمع العراقي وتعقيداته.

فمع اندلاع الحرب، واجهت القوات الأميركية واقعاً أكثر تعقيداً مما كانت تتوقعه، في ظل تداخل الانتماءات العائلية والعشائرية والطائفية والمصالح الاقتصادية. وهو ما جعل التصورات المبسطة التي قامت على الفصل بين أطراف الصراع إلى «أخيار» و«أشرار» غير منسجمة مع طبيعة المشهد العراقي.

ومع تطور الأحداث، لم تعد المهمة العسكرية مقتصرة على أهدافها الأولى، بل انشغلت القوات الأميركية بشكل متزايد بتأمين وجودها العسكري ومتطلباته، بينما استمر القادة الأميركيون في تقديم صورة إيجابية عن مسار العمليات.

ورغم مغادرة القوات الأميركية العراق سنة 2011، فإن الفراغ الأمني الذي أعقب الانسحاب أتاح لتنظيم داعش توسيع نفوذه، وهو ما دفع الولايات المتحدة إلى العودة عسكرياً سنة 2014 بنحو 3 آلاف جندي لدعم القوات العراقية في مواجهة التنظيم.

ومع انتهاء المهمة الحالية وانسحاب القوات الأميركية مجدداً، لا يزال النفوذ الإيراني حاضراً بقوة داخل العراق، في وقت لم يتم فيه تنفيذ التعهدات المتعلقة بنزع سلاح الفصائل المسلحة المدعومة من طهران.

وتكشف كلفة الحرب أيضاً عن حجم الخسائر التي تكبدتها الولايات المتحدة، إذ بلغت نفقاتها نحو 1.8 تريليون دولار، فيما قتل 4418 عسكرياً أميركياً، إلى جانب سقوط مئات الآلاف من العراقيين.

وتشير هذه الحصيلة إلى أن الحرب لم تحقق لواشنطن مكاسب استراتيجية واضحة، كما تركت أثراً على طريقة نظرها إلى التدخلات العسكرية الخارجية، إذ أصبحت أكثر تشككاً في إمكانية إعادة تشكيل أنظمة ودول أخرى بالقوة، وأكثر حذراً إزاء خوض حروب اختيارية جديدة.

في المقابل، تعمل إيران على بناء مقاربة مختلفة للتعامل مع الوجود الأميركي في الشرق الأوسط. ووفق مجلة «فورين أفيرز»، فإن طهران اتجهت، بعد المواجهة الأخيرة مع إسرائيل والولايات المتحدة، نحو استراتيجية تقوم على إبقاء مستوى التصعيد مرتفعاً.

وتنطلق القيادة الإيرانية، بحسب المجلة، من اعتقاد مفاده أن واشنطن لا تكتفي بالسعي إلى إضعاف النظام الإيراني، وإنما تشكل تهديداً لوجود الدولة نفسها. ومن هنا تسعى طهران إلى جعل استمرار الوجود الأميركي في المنطقة أكثر صعوبة وكلفة.

وتشمل هذه المقاربة الضغط على القواعد والمصالح الأميركية، واستهداف المصالح الاقتصادية وقطاعات الطاقة، إضافة إلى الضغط على حلفاء واشنطن، مع إمكانية توسيع نطاق العمليات ليشمل مناطق مثل البحر الأحمر والخليج والعراق.

وتراهن إيران على أن استمرار استهداف المصالح والقواعد الأميركية قد يدفع واشنطن، على المدى الطويل، إلى تقليص انتشارها العسكري في الشرق الأوسط، وصولاً إلى إخراج الجزء الأكبر من قواتها من المنطقة.

كما تطمح طهران، من خلال هذا المسار، إلى تكريس نفوذها في مضيق هرمز وفرض التعامل معها باعتبارها قوة إقليمية لا يمكن تجاوزها.

غير أن هذه الاستراتيجية تحمل مخاطر بالنسبة لإيران نفسها، إذ يمكن أن تؤدي الضغوط المتواصلة إلى رد عسكري أميركي أوسع أو إلى مسار تصعيدي يصعب على طهران التحكم في نتائجه.

ورغم ذلك، يبدو أن القيادة الإيرانية تراهن على الظرف الحالي، وترى في ما تعتبره تراجعاً في موقع الولايات المتحدة فرصة للدفع نحو إعادة ترتيب موازين القوى في الشرق الأوسط بما يخدم مصالحها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.