الانتفاضة/محمد جرو
من رسائل المغرب للجارة الشمالية، وفي ذكرى المولد النبوي الشريف، جد الملك محمد السادس، وذات دلالات جوهرية عميقة، أولها قيادة مركبة الملك من ولي عهده الأمير مولاي الحسن، وبصحبة المستشار الملكي وصديق الدراسة، فؤاد عالي الهمة، بعد الهجمة الإعلامية الإسبانية عليه، إلى حد المطالبة بمقاضاته بتهمة تحريض الشباب “لغزو”سبتة المغربية المحتلة، وإلى جانبه المستشار الملكي الطيب الفاسي الفهري..
ولكن الصاروخ العابر للشواطىء، والقادم من عمق التاريخ والجغرافيا، والعالم الإسلامي يحتفل بذكرى رسول الإسلام، والذي وُجه بدقة متناهية، مشحون ببارود روحاني وجيوسياسي وبنبرة “بهجوية”رخيمة، وقف وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق ليفجر الحقيقة الراسخة بخطاب يصغي له كبار رجالات الدولة والدبلوماسيين، ممتشقا سلاح الذاكرة وبلبوس تاريخي، استحضر مدينة سبتة وعلمائها الأفذاذ، والتي تبدو إن صحّ الإدراك موجهة خصيصا إلى قصر “المونكلوا” ومراكز القرار في مدريد، إذ ربط اسم الثغرة المغربية المحتلة بكتاب “الشفا بتعريف حقوق المصطفى”، لقاض مراكشي ليس سوى القاضي عياض السبتي وكتاب “الدر المنظم” وكذلك من عمق المدينة الحمراء مراكش، وصاحبه أبو العباس العزفي السبتي، تمحي بهما المملكة المغربية كل مساحيق التجميل الإستعمارية عن المدينة المحتلة، وليعيد تذكير العالَم بأن هذه الرقعة الجغرافية كانت تنتج فقه الأمة ووجدانها النبوي قبل أن تطأها أقدام الاحتلال الإسباني.
و الدلالة القوية في هذا الخطاب /رسالة “أحمد التوفيق”، ومن ورائه جهابذة الرّد الرّصين، بمنطق Doucement mais Sûrement التذكير بأن العزفي السبتي نفسه، يتحدر وهو ابن سبتة المحتلة، بل يحسب له شرف من سنَّ الإحتفال بالمولد النبوي في المغرب أصلا لتثبيت الهوية الدينية وصدّ المد الصليبي والاستعماري في ذلك الزمان، وهذا الأمر يُسقط التقادم الإستعماري، مؤكدا أن الجغرافيا وإن اغتُصبت فإن العقيدة والهوية والتاريخ تظل مغربية مالكية حصرية.
ولعل “الكاو” القاسم سياسيا لظهر إسبانيا، أتى في الخطاب الذي ألقاه وزير الأوقاف بنبرة تصاعدية، تنم عن عنوان لايأتيه الخطأ من أية ناحية، الا وهو “حفظ الأرض والثوابت”، وهو ربط صريح بين أصل بيعة الملوك والسلاطين المغاربة وتعبئة الشعب من أجل الوطن، أو التعاقد القائم بين الدولة ومواطنيها بلغة العصر الحديث.
ولتصويغ ذلك في ذات الخطاب / رسالة أحمد التوفيق، وباستحضار ربما يكون هو الآخر مقصودا، اسم علامة مراكشي، الإمام الجازولي ومرجعه “دلائل الخيرات”، الذي يدعو إلى تحرير المدن والثغور المحتلة ، خاصة بالبحر الاطلسي والمتوسط، ومعنى ذلك، وهي همسة في أذن الإسبان، أن الثغرتين المحتلتين سبتة و مليلية ليستا نزاعا حدودي جاف أو ملف هجرة غير نظامية يُدار في الكواليس، بل هو قضية تحرير وطن، بما يتطلب ذلك من تعبئة شعبية مدنية، وإن إقتضى ذلك تدخلا عسكريا،وعقيدة بيعة راسخة تُنسخ عبر الأجيال،على مستوى الخطاب الديني ..
فقد جاءت هذه الصعقة المغربية ،التي قد تبدو للبعض “ناعمة”، لتضع إسبانيا أمام واقع عارٍ في ظل عدم اهتمام أصدقائها الأوروبيين “بمساندتها”بعد النزوح الجماعي للمغاربة نحو بلدتهم المحتلة، والذي خلف ضحايا، ربما لا تقل مكانتهم عن “شهداء الوطن”، شباب انتفضوا ضد القهر والظلم وصور الفساد المستشري في دواليب عدد من المؤسسات، جعلت الإعلام اليميني الإسباني يصب جام غضبه على المملكة ورموزها، في هرولة سياسية غير محسوبة ولا محسومة النتائج، حتما ستدفع الجميع لإعادة حساباته، بمنطق جيوسياسي رصين وبكياسة مطلوبة في الوقت الراهن.
هي إذن لحظة سياسية وثقافية غير معلنة، يجب أن تُلتقط قبل فوات الأوان، لأنها تؤكد جليا أن المنطقة قد دخلت مرحلة “التضييق النفسي والدبلوماسي “على الوجود الإستعماري، بحيث تحولت الثغرتين المحتلتين، من ثغور يحاول الإسبان تحويلهما إلى “معتقلات” أو قلع أوروبية، إلى عمق مغربي مليء بالذاكرة والفكر، عرّت فيه المأساة الإنسانية نفاق الجارة الشمالية..
خارج النص:
بحسب إلباييس : وزير الخارجية الإسباني أجرى 27 اتصالا هاتفيا مع ناصر بوريطة في يوم واحد خلال أزمة سبتة.
التعليقات مغلقة.