الانتفاضة // سيداتي بيدا
في مشهد غير مسبوق، خيّم الصمت على أسواق مدينة العيون، بعدما كانت تضج بالحركة وتعج بالمتسوقين. أزقة شبه فارغة، محلات موصدة، وركود اقتصادي واضح المعالم؛ كلها مؤشرات على تحوّل عميق فرضه وعي المواطنين وسلاحهم السلمي: المقاطعة.
لم تعد الرفوف تعكس وفرة بقدر ما تعكس أزمة ثقة. لحوم تُركت لتتعفن، وروائح تزكم الأنوف داخل محلات الجزارة، دفعت ببعض المهنيين إلى الإغلاق الاضطراري، في اعتراف ضمني بأن زمن الاستهتار بجيوب المواطنين قد ولى. أما الخضر والفواكه، فقد لقيت مصيرًا مشابهًا، بعدما تلفت نتيجة غياب الطلب، في صورة صادمة لخسارة كان يمكن تفاديها لو سادت معايير معقولة في التسعير.
هذه المقاطعة لم تكن فعلًا عشوائيًا أو نزوة ظرفية، بل جاءت كرد فعل حضاري واعٍ على موجة غلاء غير مبررة أثقلت كاهل الأسر. المواطن، الذي طالما تحمل بصمت، قرر هذه المرة أن يرفع صوته بطريقة مختلفة: الامتناع عن الشراء. إنه احتجاج صامت، لكنه أشد وقعًا من أي شعارات.
ما يحدث اليوم في العيون يبعث برسالة واضحة لا لبس فيها: السوق ليس ساحة مفتوحة للجشع، بل منظومة تقوم على التوازن بين العرض والطلب، وعلى احترام القدرة الشرائية للمواطن. حين يُكسر هذا التوازن، يكون الرد طبيعيًا، بل حتميًا.
وفي المقابل، يضع هذا الوضع الفاعلين في القطاع أمام مسؤولياتهم الأخلاقية والمهنية. فاستمرار هذا الركود ليس في مصلحة أحد، لا البائع ولا المستهلك. الحل لا يكمن في التذمر أو انتظار تدخل خارجي، بل في مراجعة جادة لسياسات التسعير، واعتماد الشفافية والإنصاف كقاعدة للتعامل.
إن المقاطعة، بهذا الشكل، تؤكد أن الوعي المجتمعي قادر على فرض التغيير، وأن المستهلك لم يعد الحلقة الأضعف في معادلة السوق. إنها لحظة فارقة، إما أن تُستوعب دروسها سريعًا، أو أن تتسع دائرة الخسائر.
في النهاية، يبقى السؤال مطروحًا: هل يستوعب التجار الرسالة قبل فوات الأوان، أم أن الصمت سيستمر في فضح اختلالات سوق لم يعد يحتمل المزيد من التجاوزات؟
التعليقات مغلقة.