مراكش… تأمّلات في واقعٍ تتنازعه المفارقات

الإنتفاضة.   //  بقلم  : ” محمد السعيد مازغ “

ليست الحكاية صرخةً في وجه مسؤول، ولا دمعةً على خدٍّ مكلوم، بقدر ما هي تأمّل في واقعٍ مشحون تتجاذبه أطرافٌ شتّى، وتنساب داخله تناقضات لا تخفى على المواطن العادي، فضلًا عن المتتبع للشأن المحلي.
مراكش، مدينةٌ سياحية ذات صيتٍ عالمي، حباها الله بجمال الطبيعة واعتدال المناخ وطيبة الساكنة، فغدت قبلةً للزوار ومرآةً لثراءٍ حضاري عريق. غير أنّ هذا البهاء لا يحجب ما يتسرّب إلى العمق من اختلالات بنيوية: ساحةٌ عالمية تغرق مع أولى قطرات الغيث، شوارعُ ممزقة تتعثر فيها الأشغال، اختناقٌ مروريّ متزايد، حفرٌ تبتلع الطرقات، وترحيلٌ زجريّ بتعويضات هزيلة، ومستشفى جامعيّ خارج التغطية…
في مقابل ذلك، تبدو المسؤوليات جسيمة، والفاعلية محدودة؛ شبهاتٌ تحوم حول أصحاب المصالح، وأسئلةٌ معلّقة حول الصفقات ومستوى الإصلاحات. تتشابك الأدوار، وتطفو مفاهيم مقلوبة، حتى كأنّ المدينة أضحت بيئةً طاردة للكفاءات، تُدبَّر بعقلية “أبناء الطالحين وبنات الصالحين”، حيث تختلط المعايير وتضيع البوصلة.
وبين واجهاتٍ مُبهرة تُسوَّق بعناية، وواقعٍ يوميّ تُلامس فيه الساكنة تبعات الاختيارات، تنشأ طبقةٌ من “المطبلين” و”المتسلّقين”، تصنع الضجيج أكثر مما تصنع الحلول، وتُتقن تلميع الصورة بدل مساءلتها. أمّا الأبواق الرخيصة، فتمضي في محاولاتها البائسة لإخفاء الشمس بالغربال، غير عابئةٍ بما يتراكم في الخفاء من ندوب.
لقد عانت مراكش من أيادٍ لم تُحسن صون الأمانة، ومن تجّارٍ للمآسي أتقنوا استثمار الهشاشة بدل معالجتها، كما عرفت تعسّفاتٍ نجحت أحيانًا في تكميم الأفواه واستقطاب ضعاف النفوس، وسط مساءلات قانونية متشابكة ومطالب تعويضية مثيرة للجدل. ومع ذلك، تظلّ المدينة محتفظةً بجاذبيتها، متشبثةً بروحها، مُحَصَّنة بِالغَيّورينَ عليها، وقادرة—إن صدقت الإرادة—على استعادة توازنها.
مراكش ليست فقط ما نراه في الصور، بل هي ما يعيشه أهلها كل يوم. فلا مكان للتفاهة في تمثيل الساكنة، ولا جدوى من شعارات لا يواكبها صدقٌ في القول وحسنُ اختيارٍ في الفعل. دون ذلك، لن تستعيد المدينة توازنها… مهما ارتفع صوت المطبلين، أو كثرت وعود المتسلّقين.

التعليقات مغلقة.