عاجل: بشرى للمغاربة.. أخنوش يوزع المازوط وليصانص بالمجان

الانتفاضة

في خبر هز وجدان المغاربة أكثر مما هز جيوبهم المنهكة، تناقلت الألسن خبرا وصفه البعض بالمعجزة الاقتصادية الثامنة، بينما اعتبره آخرون حلما رمضانيا ثقيلا بالتوابل، مفاده أن عزيز أخنوش رئيس الحكومة ومالك “إمبرطورية افريقيا” قرر أخيرا أن يوزع المازوط وليصونص بالمجان على المواطنين، تعويضا بسيطا ومتواضعا عن سنوات من اللهيب الذي حول محطات الوقود إلى فضاءات للتأمل الجماعي في معنى القدرة الشرائية وهي تحتضر ببطء.

نعم، تخيلوا هذا المنظر الوطني العظيم (..) المغاربة يصطفون أمام المحطات، لا وهم يحملون أنين الفواتير ولا وجع الزيادات المتلاحقة، وإنما وهم يتلقون لتر البنزين كما توزع قفف الإحسان السياسي (..) لا أحد يسأل عن السعر، لا أحد يحدق في العداد كمن يراقب نبضه الأخير، لا أحد يطلب من المستخدم أن يوقف التعبئة عند خمسين درهما وكأنه يتفاوض مع القدر (..) الجميع يملأ خزان سيارته حتى آخره، ثم يبتسم لأخنوش، ولحكومة اكتشفت فجأة أن المغاربة بشر وأرقاما قابلة للاحتراق في الآن نفسه.

يا لها من بشرى (..) عزيز أخنوش، الفاعل الأول في قطاع المحروقات، قرر أن يخلع جبة رجل الأعمال ليرتدي عباءة المنقذ الوطني (..) قرر أن يربت على كتف المغاربة قائلا لهم: لا تقلقوا، لقد فهمت أخيرا أن من غير المعقول أن يظل الشعب يمول أرباح الشركات ثم يطلب منه في النهاية أن يشكر الله على نعمة الصبر.

لقد آن الأوان لرد الجميل، وها أنا أفتح خزائن الرحمة البترولية على مصراعيها.

وحتى مصادر شديدة الخيال أكدت أن الحكومة ستعلن قريبا عن برنامج اجتماعي جديد تحت اسم “فرصة”، يخول لكل رب أسرة الاستفادة من حصته الشهرية من الغازوال والبنزين، مع منحة إضافية لأصحاب السيارات المتهالكة الذين صاروا يدفعون ثمن الوقود أكثر مما تساوي سياراتهم نفسها في سوق المتلاشيات (..) أما الطبقة المتوسطة، تلك الكائنات المنقرضة تقريبا، فستحصل على بطاقة ولاء خاصة تخول لها جمع نقاط مع كل تعبئة مجانية، يمكن استبدالها لاحقا بابتسامة رسمية أو تصريح مطمئن من أحد الوزراء.

وتضيف المصادر نفسها، التي تشتغل بكفاءة عالية داخل جمهورية التهكم، أن عزيز أخنوش سيلقي خطابا تاريخيا للأمة يعلن فيه نهاية مرحلة “كلما ارتفع النفط عالميا ارتفعت الأسعار محليا وكلما انخفض عالميا بقينا ندرس الوضع”، وبداية عهد جديد عنوانه “الربح المعقول والضمير الممكن” (..) وقد يخرج حينها الناطق الرسمي باسم الحكومة ليشرح للمغاربة أن هذه المبادرة لا تدخل في باب الشعبوية، وإنما تندرج ضمن إعادة توزيع شيء من الدفء على شعب صار يحترق يوميا في تنقلاته ومعيشه وأسواقه وفواتيره.

لكن، مهلا، لا تفرحوا كثيرا. لأن المشكلة لا تكمن في الحلم، وإنما في المسافة الشاسعة بين الحلم والواقع (..) فالواقع يقول شيئا آخر أكثر قسوة وأشد سخرية من كل ما يمكن أن يكتبه كاتب صحفي غاضب (..) الواقع يقول إن المغاربة كلما سمعوا كلمة “انخفاض” في السوق الدولية، شدوا الرحال نحو المحطات بأمل صغير، ثم عادوا بخيبة أكبر (..) الواقع يقول إن جيوبهم صارت الحقل التجريبي الأول لكل اضطراب عالمي، من حرب هنا إلى مضيق هناك إلى توتر هنالك، بينما يظل السؤال الثقيل معلقا فوق رؤوسهم: من يحمي المستهلك المغربي من هذا النزيف المفتوح.

الواقع يقول أيضا إن المواطن المغربي لم يعد يطالب بالمجان، ولا يحلم بمعجزات، ولا ينتظر من أحد أن يحول المحطات إلى مواسم كرم وطني (..) كل ما يطلبه هو شيء بسيط جدا ومكلف جدا على ما يبدو: قليل من الإنصاف، قليل من الشفافية، قليل من الحياء السياسي أمام شعب أنهكته الأسعار حتى صار خبر زيادة درهمين في الغازوال كأنه صفعة جديدة يتلقاها ببرود من يقال لهم إن كل شيء تحت السيطرة.

لهذا، يبدو عنوان “بشرى للمغاربة.. أخنوش يوزع المازوط وليصونص بالمجان” أكثر صدقا من كثير من البلاغات الرسمية، لأنه يعترف بطبيعة اللحظة (..) لحظة صار فيها الخيال أكثر رحمة من الواقع، وصارت السخرية أصدق من التبرير، وصار المواطن يضحك حتى لا يصرخ.

أما إذا فعلها عزيز أخنوش فعلا، وقرر ذات ليلة أن يوزع المحروقات بالمجان، فسيكون ذلك أعظم انجاز سياسي في تاريخ المغرب الحديث (..) أن أفضل طريقة لإطفاء غضب الشارع لا تمر عبر كثرة الكلام، ولا عبر مهرجانات التفسير، ولا عبر بلاغات التطمين، وإنما عبر توقف اللهيب قليلا عن أكل جيوب المغاربة.

لكن إلى أن تقع تلك المعجزة، سيواصل المواطن المغربي رحلته اليومية نحو محطة الوقود كما يذهب المحارب المنهك إلى جبهة خاسرة سلفا، يحمل في قلبه دعاء، وفي جيبه ما تبقى من راتب، وفي رأسه سؤالا واحدا: من يربح فعلا حين يخسر الجميع؟

التعليقات مغلقة.