الانتفاضة // سيداتي بيدا
في سابقة تكاد تبدو أقرب إلى الخيال منها إلى السياسات العامة، يجري تداول مقترح في موريتانيا يقضي بفرض ضريبة قدرها عشرة آلاف أوقية على كل عروس جديدة، وخمسة آلاف أوقية على العروس المطلقة. ورغم أن الخبر أثار موجة واسعة من الجدل والاستغراب، فإنه يعكس واقعًا أعمق يتعلق بالنهج الضريبي الذي يزداد ضغطه على المواطن البسيط في ظل أزمات اقتصادية ومعيشية متصاعدة.
الزواج، في كل المجتمعات، ليس مجرد حدث اجتماعي عابر، بل هو ركيزة من ركائز الاستقرار الأسري وبناء المجتمع. وحين تتحول هذه اللحظة الإنسانية إلى مورد جديد للجباية، فإن الرسالة التي تصل إلى المواطنين لا تكون رسالة إصلاح اقتصادي بقدر ما تبدو محاولة لملء خزائن الدولة على حساب أبسط حقوق الناس في الحياة الكريمة.
المشكلة هنا لا تتعلق فقط بقيمة الضريبة المقترحة، بل بالمبدأ ذاته.
فالدول التي تسعى فعلًا إلى الإصلاح المالي تبدأ عادة بمكافحة الهدر، وإغلاق منافذ الفساد، وتعزيز الشفافية في إدارة المال العام. أما اللجوء السريع إلى جيب المواطن، خاصة الفئات الهشة، فهو الطريق الأسهل لكنه في الغالب الطريق الأقل عدالة والأكثر إثارة للغضب الاجتماعي.
ومن اللافت أن مثل هذه المقترحات تأتي في وقت يعاني فيه الشباب في كثير من البلدان من صعوبات متزايدة في تكاليف الزواج والحياة.
فبدل أن تعمل السياسات العمومية على تخفيف الأعباء وتشجيع الاستقرار الأسري، نجد أفكارًا قد تزيد التعقيد وتفتح بابًا جديدًا للضغط المالي على المقبلين على بناء أسرهم.
كما أن التمييز بين “العروس الجديدة” و“العروس المطلقة” يثير تساؤلات أخلاقية واجتماعية عميقة. فالسياسات العامة يجب أن تكون حريصة على احترام كرامة الأفراد وعدم تحويل أوضاعهم الشخصية إلى معيار ضريبي قد يحمل في طياته رسائل اجتماعية سلبية أو غير منصفة.
الإصلاح الاقتصادي الحقيقي لا يُقاس بعدد الضرائب التي تُفرض، بل بقدرة الدولة على إدارة مواردها بكفاءة وعدالة.
فمحاربة الفساد، ومراجعة الامتيازات غير المبررة، وكشف مصادر الثروات غير المشروعة، هي خطوات أكثر إقناعًا للمواطن من فرض رسوم جديدة على تفاصيل حياته اليومية.
إن بناء الثقة بين الدولة والمجتمع يبدأ من الإحساس بالعدالة. وحين يشعر المواطن أن الأعباء موزعة بشكل متوازن، وأن المسؤولية لا تقع دائمًا على كاهله وحده، يصبح أكثر استعدادًا لتحمل التحديات الاقتصادية.
أما حين تتحول الأفراح نفسها إلى مناسبة للجباية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بمرارة: إلى أي حد يمكن أن يمتد دفتر الضرائب قبل أن يلامس حدود الكرامة الاجتماعي.
التعليقات مغلقة.