الحرب الكلامية وحكومة الكفاءات

الانتفاضة

فجر ملف مغاربة العالم موجة جديدة من التوتر داخل البيت الحكومي، بعد اندلاع حرب تصريحات ومشادات كلامية بين عدد من الوزراء بشأن طريقة مخاطبة الجالية المغربية المقيمة بالخارج وتقدير أدوارها الاقتصادية والوطنية.

وجاءت هذه التطورات في أعقاب الجدل الواسع الذي أثارته تصريحات وزير الصناعة والتجارة، رياض مزور، عضو اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال، خلال لقاء مع رابطة خريجي المدارس المركزية والمدارس العليا بالمغرب، حيث اعتبرت هيئات تمثل مغاربة العالم أن تلك التصريحات حملت نبرة مستفزة ومقللة من قيمة انتظارات الجالية، لاسيما في ما يتعلق بالتحفيزات المواكبة لاستثماراتها عند العودة إلى الوطن.

وخلفت تصريحات الوزير مزور موجة سخط واسعة، بعدما فهم منها كثيرون أنها تبخس دور الجالية المغربية بالخارج، وتختزل علاقتها بالوطن في منطق بديهي لا يقتضي أي مواكبة أو تحفيز، رغم ما تمثله هذه الفئة من وزن اقتصادي واستثماري ورمزي في دعم الاقتصاد الوطني والدفاع عن صورة المملكة في الخارج.

وفي خضم هذا السجال، خرج الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بالاستثمار والتقائية وتقييم السياسات العامة، كريم زيدان، عضو المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار، بخطاب مختلف حمل رسائل سياسية واضحة، خلال كلمة ألقاها في لقاء حزبي بمدينة وجدة، حيث أكد أن مغاربة العالم يشكلون رافعة أساسية للاقتصاد الوطني، وسفراء فوق العادة للمملكة، مبرزا أن ارتباطهم بالمغرب يظل اختيارا إراديا نابعا من القلب.

واعتبر الوزير زيدان أن كفاءات الجالية المغربية لا تختزل في حجم التحويلات المالية فقط، رغم أهميتها، وإنما تمتد إلى مجالات الصناعة والعلوم والاستثمار وجلب الشركاء والمشاريع الدولية، معتبرا أن هذه المكانة تفرض على المسؤولين اعتماد خطاب يقوم على التقدير والاحتضان والاعتراف بالقيمة المضافة لمغاربة العالم، بدل أي لغة قد تثير الإحساس بالتهميش أو التبخيس.

وحملت خرجة الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بالاستثمار والتقائية وتقييم السياسات العامة، في مضمونها ردا غير مباشر على تصريحات وزير الصناعة والتجارة، كما عكست محاولة لتصحيح الأثر السياسي والإعلامي الذي خلفته تلك التصريحات، خاصة أن حديثه جاء من جهة الشرق، التي تعد من أبرز المجالات المرتبطة تاريخيا وبشريا بالجالية المغربية المقيمة بالخارج.

وفي سياق تعزيز هذا الخطاب، استحضر كريم زيدان مثال الدولي المغربي إبراهيم دياز، باعتباره نموذجا يعكس معنى الانتماء الحر للمغرب، ويجسد ما وصفه بقيمة “تمغربيت” في بعدها الوطني والرمزي، معتبرا أن الدولة تنظر إلى مغاربة العالم باعتبارهم شركاء فعليين في الأوراش الكبرى، لا مصدر للتحويلات المالية.

ووجه الوزير زيدان رسالة مباشرة إلى الجالية المغربية بالخارج، شدد فيها على أن المغرب يظل بلدهم، وأن المرحلة تستدعي تعبئة كل الطاقات الوطنية داخل الوطن وخارجه، من أجل إنجاح المشاريع التنموية الكبرى وتعزيز الحضور الدولي للمملكة.

وتشير هذه التصريحات المتضاربة إلى وجود ارتباك واضح في الخطاب الحكومي وغياب الانسجام بين مكوناته، لاسيما مع انطلاق العد العكسي نحو الانتخابات التشريعية المقبلة.

التعليقات مغلقة.