الانتفاضة
بسبب تداعيات تغول عوامل الفساد والإفساد في أوصال المجتمع المغربي بشتى تلاوينه ومكوناته للأسف الشديد، إلا ما رحم ربك وقليل ما هم، و في عالم يتسارع فيه التغيير، يتجلى واقعٌ مثير للقلق في مسارات السياسة والاجتماع بالمغرب.
حيث قررت حكومتنا الموقرة في هذا السياق أن تطبق نظريات معقدة، ربما مستلهمة من الفيزياء، ولكن على الطريقة المغربية الفريدة.
النتيجة؟
واقع مأساوي، حيث يبدو أن “الدولة الاجتماعية” ليست إلا فقاعات تتلاشى في الصالونات المغلقة لمجموعات الساسة، بينما تبقى الممارسات الحقيقية في فضاءات وزارات الداخلية.
وفي قاموس الزيادات المالية، نجد أن الزيادة الحكومية الأخيرة لم تنعكس بشكل عادل على جميع عناصر المجتمع.
حيث تم إعلان زيادة 3000 درهم للقضاة، ما يُعتبر إجراءً ينبغي أن يُحتفى به، لكن السرعة التي تتحقق بها هذه الزيادات تُصبح عبئًا على المواطن العادي.
إن الحبر الذي يستخدمه القضاة لكتابة الأحكام غالي، والعدل مكلف، لكن ما يعانيه الأستاذ في فصله، والذي قضى سنوات في التعليم، هو معاناة موازية تحققها زيادة غير عادلة لقادة يُفترض أن يسهروا على راحة الشعب. يُضاف إليهم قيادات تمّ منحهم زيادة مقدارها 7000 درهم، ما يعكس رسائل مشفرة حول أولويات الحكومة.
وفي خضم هذه التحولات، نجد “شعيبة”، المواطن المغربي العادي، الذي حصل على 500 درهم من الدعم الاجتماعي.
ولكن هنا تكمن المتناقضات؛ فشعيبة، الذي يتميز ببراءة وذهول من الوضع، يصبح في نظر الدولة شخصًا ينتمي إلى فئة الأغنياء بمجرد أن يزيد رصيده في هاتفه عن 50 درهم. كيف يُمكن أن يُنظر إليك كغني، لمجرد أنك تريد التواصل مع عائلتك؟ يبدو الأمر كأنها مزحة مريرة، حيث يتحرك نظام المراقبة الاجتماعي وكأنما يُحركه الشيطان نفسه.
تبدو الأجور التي تُعطى لقياد أكثر من مثيرة للدهشة. في بلد يحتاج لبناء العقول وتعليم الأجيال، يتلقى القائد راتبًا يفوق راتب أستاذ مُتخصص.
إنه نوع من الرسالة المشفرة: “نحن نراهن على القوة وليس على العقل”.
هذه المقاربة الأمنية التي تحاول “تطبطب” على الرؤوس بطريقتها الخاصة تُعتبر العدو الأول للوعي.
في هذا الزمن العجيب، يُكافأ من يضبط الشعب ويُعاقب من يُعلمه.
حتى مفهوم الدعم الاجتماعي أصبح يحمل شروطًا واضحة تمنع من يجرؤ على الاستمتاع بباقي احتياجات الحياة من أن يحظى بالدعم الذي يحتاجه.
إن الأمور تتجه نحو مشهد مُحزن لا يبشر بالخير.
إذا أردت مستقبلاً زاهرًا في هذا البلد، فالخيار الأكثر أمانًا يبدو أنه لا يعتمد على القلم أو التعليم، بل على البحث عن صفوف من “القشلة” والمقاطعة! إن هذه المفارقات الحادة تُظهر كيف أن قيم العدالة والمساواة تُختطف تدريجيًا، تاركةً وراءها جيلًا يُعاني من عدم الفهم والعدالة.
ستظل هذه القضايا عالقة في أذهاننا، حتى نتمكن من إعادة التفكير ليس فقط في السياسات المتبعة، وإنما أيضًا في المستقبل الذي نريد بناءه لأبنائنا في هذا الوطن.
التعليقات مغلقة.