الإنتفاضة // البداوي إدريسي
اشتقت لأحد الأصدقاء الذي طال غيابه ما يزيد عن سنوات، و يعد صديق عزيز أفتخر بمعرفته؛ و هو مثقف، و مع مرور الأيام و الشهور صدفته بإحدى المنتديات الثقافية يلقي محاضرة، و بعد الإنتهاء من إلقاء كلمته توجهت نحوه و قدمت له التحية التي تليق بالمثقف، و سألته عن غيابه و بدأ يتحدث عن هذا الغياب و بين ثنايا الحديث قال عبارة قصيرة لكنها عميقة كانت عنوان المحاضرة :” الحياة رحلة فردية ” .
صمت أمام هذه العبارة المركبة من ثلاثة كلمات هي على الشكل التالي :” الحياة رحلة فردية “، لا لأنني لم أفهمها، بل لأنني شعرت بثقل معناها .
توقفت لحظة، و تأملت .. كيف يمكن لعبارة بسيطة أن تفتح هذا الكم من الأسئلة داخلنا؟.
هل الرحلة في الحياة رحلة فردية ؟ نعم الحياة رحلة فردية، رحلة لا تشبه أي رحلة أخرى، رغم التشابه الظاهري بين تجارب الناس .
قد نسير في الطرق نفسها، و تمر بمحطات متقاربة، لكن كل واحد منا يحمل حقيبته الخاصة؛ تجاربه، أحلامه، مخاوفه، و ٱلامه، كل إنسان يكتب قصته بنفسه، و لا يمكن لأحد أن يعيشها عنه أو يكمل فصولها بالنيابة عنه .
تأملت العبارة العميقة لفتح ٱفاقا لفهم الحياة…حين تأملت هذه العبارة شعرت بثقل المسؤولية، لكنها كانت في الوقت نفسه فرصة عظيمة .
فرصة لأن أعي أن اختياراتي، و طريقتي في التعامل مع الحياة، هي ما تصنع مساري الحقيقي، يمكن للٱخرين أن يشاركوني النصيحة، أن يقترحوا الطريق، أن يحذروني من العثرات، لكن السير… السير لي وحدي .
الرحلة الفردية لا تعني الإنعزال أو القطيعة مع الٱخرين، لكنها تعني تحمل المسؤولية عن النفس أولا… تعني أن أتوقف عن مقارنة حياتي بحياة غيري، لأن المقارنة ظلم صريح .
الحياة ليست نهرا هادئا، أو خطا مستقيما، بل نحن لا نرى إلا الواجهة؛ لا نرى الليالي الطويلة من القلق، و لا القرارات الصعبة، و لا الخسارات الصامتة التي سبقت أي نجاح نراه .
و كل خطأ تتعلم منه و يقربك أكثر من الطريق الصحيح، و في هذه الرحلة، أدركت أن الأخطاء ليست عدوا، بل معلم صادم… كل فشل مررت به كان درسا قاسيا أحيانا، لكنه ضروري، علمني الصبر، و علمني أن النضج لا يأتي سريعا، و أن الإنجاز الحقيقي لا يقاس بسرعة الوصول، بل بالقدرة على الإستمرار رغم التعب و الخذلان .
السؤال الجوهري الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا هو: هل هذه الرحلة تدعونا أيضا إلى الإستماع لأنفسنا بصدق، أن نسأل : ماذا نريد حقا ؟ ماذا يناسبنا نحن، لا ما يفرض علينا ؟ اكتشاف الذات ليس رفاهية، بل ضرورة؛ أن نعرف قدراتنا و حدودنا، و نقاط قوتنا و ضعفنا، و أن نختار الطريق الذي يمنحنا السلام الداخلي لا التصفيق المؤقت . و في النهاية، نعم … الحياة رحلة فردية، لكنها ليست رحلة وحيدة .
يمكن أن نشارك الٱخرين بعض الطريق، نتبادل الدعم، نتعلم من التجارب، نخفف عن بعضنا ثقل المسير .
لكن جوهر الرحلة، و معناها الحقيقي، يبقى في الداخل .
الحياة ليست مجرد الوصول إلى هدف، بل هي كل خطوة نخطوها، و كل درس نتعلمه، و كل أثر نتركه خلفنا .
و حين ندرك ذلك، نتعلم أن نستمتع بالرحلة نفسها، لا أن تؤجل الحياة حتى نصل .
البداوي إدريسي : المدير المسؤول لجريدة الأحداث الأسبوعية ” م – ن ” و الكاتب العام للإتحاد الوطني المستقل لقطاع الصحافة و الإعلاميين و معتمد لدى جريدة : الإنتفاضة من أجل الحداثة .
التعليقات مغلقة.