اختيار يوم عالمي للتعليم يفترض لحظة مساءلة لا لحظة تصفيق

الانتفاضة

في اليوم العالمي للتعليم الذي يصادف يوم 24 يناير من كل سنة ، و الذي يُرفع فيه الشعار وتُلتقط الصورة وتلقى الكلمات الملساء، تداهمنا أسئلة ثقيلة تمثل العمود الفقري لأي حديث صادق عن المستقبل.

والتعليم هنا لا يدخل بوصفه احتفالا، هو جرح مفتوح في الوعي الجمعي، كمرآة قاسية نمرّ أمامها مسرعين حتى لا نرى تشققات وجوهنا المعرفية. نحتفي، نعم، نتقن طقوس الاحتفاء، نعرف كيف نعلّق اللافتات، كيف نؤثث القاعات، كيف ننتج خطابا رسميا مدهونا بالطمأنينة، ثم يذوب كل ذلك في مجرى الأيام كما يذوب الملح في ماء آسن، بلا أثر، بلا تغيير، بلا ذاكرة.
اختيار يوم عالمي للتعليم يفترض لحظة مساءلة لا لحظة تصفيق.

يفترض أن يُستدعى السؤال العميق عن حال المعرفة في مجتمع يضع الأولوية القصوى للطقس ويترك الجوهر يتآكل ببطء.

مجتمعات أخرى تجعل التعليم شرطا أنطولوجيا للبقاء، ركيزة إبستيمية لبناء الإنسان، ونحن نكتفي بجعله مناسبة زمنية، بندا في رزنامة رسمية، صورة عابرة في نشرة أخبار.

هناك، يُنظر إلى المدرسة كحقل لتشكيل العقل النقدي، هنا تُختزل في بناية إسمنتية تدار بعقل إداري يخلط بين التسيير والتفكير، بين الحضور الفيزيائي والغياب الذهني.
مؤشراتنا تتذيل القوائم، كدلائل على خلل بنيوي عميق.

التعليم يرزح تحت وحل إشكالية مركبة، تتشابك فيها المنهجية المرتبكة، واللوجستيك الهش، والهيكلة المرتعشة.

المنهاج يصاغ خارج سياق المتعلم، يُفرض عليه كجسد غريب، بلا حس تاريخي، بلا وعي سوسيولوجي، بلا إدراك لخصوصية المجال الثقافي. اللوجستيك يتحول إلى عائق صامت، قاعات مكتظة، أدوات ناقصة، زمن مدرسي مبتور، وهيكلة إدارية تُقدّس الورق وتُهمّش العقل، تُراكم المذكرات وتُفرغ الفصول من المعنى.
الخجل هنا قيمة أخلاقية غائبة.

الخجل من الاحتفاء بشيء لم نضعه في سلم الأولويات. الخجل من رفع شعار الحضارة ونحن نكتفي بقشرتها اللامعة، نلمّع الواجهة ونترك الأساس يتعفن.

لو كان التعليم كائنا بيولوجيا لهرب منا بلا رجعة، من شدة الإهمال، من فرط التغاضي عنه كعامل حاسم في تشكّل الحضارات وصعودها وانهيارها.

نحن نرتدي لباس الحداثة ونمشي بعقل تقليدي، نردد مفردات التقدم ونمارس طقوس الإقصاء المعرفي، نُكثر من الحديث عن المستقبل ونزرع في الحاضر بذور العطب.
في عمق هذا المشهد، تتبدى أزمة المعنى.

المدرسة فقدت وظيفتها الرمزية، لم تعد فضاء لتكوين الذات العارفة، بل محطة عبور قسرية، يقاس النجاح فيها بعدد الشهادات لا بعمق الفهم.

المعرفة تحولت إلى سلعة، إلى رأسمال شكلي، يُستهلك في سوق الوظيفة، لا في بناء الإنسان. هنا تتسلل مفاهيم الاغتراب المعرفي، التشيؤ، العنف الرمزي، حيث يُقمع السؤال الحر لصالح الإجابة الجاهزة،

ويُكافأ الحفظ الآلي على حساب التفكير التركيبي، ويُختزل العقل في ذاكرة قصيرة النفس.
وسط هذا الضباب، يطل صوت روائي كغابرييل غارسيا ماركيز، لا ليمنحنا حكاية، انما ليذكّرنا بأن “الحياة ليست ما عشناه، بل ما نتذكره لنحكيه”.

التعليم الذي لا يخلق ذاكرة نقدية، لا يزرع القدرة على الحكي والفهم وإعادة التأويل، تعليم محكوم بالنسيان.

هناك، يصبح التعليم فعل مقاومة، مقاومة الجهل، مقاومة التهميش، مقاومة إعادة إنتاج التخلف.
نحن في حاجة إلى إعادة تأسيس، لا إلى ترميم.

إلى ثورة هادئة في البنية الذهنية، في الفلسفة التربوية، في تصورنا للمعرفة بوصفها قوة مولدة للمعنى، لا عبئا مدرسيا.

نحتاج إلى مصالحة بين التعليم والحياة، بين النص والواقع، بين السؤال والحرية.

نحتاج إلى إعادة الاعتبار للمدرس كفاعل ثقافي، لا موظف مرهق، وللمتعلم كذات مفكرة، لا رقم في لائحة.

نحتاج إلى وعي بأن الحضارة لا تقاس بعدد ناطحات السحاب، بل بعمق الأسئلة التي يطرحها أطفالها، وبقدرتهم على التفكير خارج القطيع.
في هذا اليوم العالمي للتعليم، يصبح الاحتفال الحقيقي فعل صمت وتأمل، فعل نقد ومراجعة، فعل اعتراف بالخلل قبل البحث عن الزينة.

التعليم مرآتنا الأكثر صدقا، ومن يهرب من صورته فيها، يختار أن يعيش طويلا في وهم التقدم، مرتديا قشرة الحضارة، ومتعايشا مع القذارة.

التعليقات مغلقة.