“البيرو” في مراكش .. حين تتخذ الكلمات معاني أخرى

الانتفاضة // إلهام أوكادير

هي جملة شائعة، غالبا ما يتداولها البالغون و المهنيون، تتردّد على مسامعنا بين الفينة و الأخرى، و تحمل في طياتها معنى اللقاء المدبّر لغرض متفق عليه، ترتبط في الغالب بمكان العمل و الإنجازات، إلا أن  الأمر يختلف كثيراً في أزقة مراكش، فكلمة ” البيرو” تحمل معاني أخرى لا تشابه معانيها الحقيقية التي اعتدناها، خاصة بالنسبة للشباب المتسكّع ليلا في ساعاته المتأخرة.

في إحدى الليالي الصيفية بمراكش، حوالي الثالثة صباحا، حيث الناس نيام أو بالأحرى من استطاعوا النوم، وسط جلبة عارمة و مزعجة، من مجموعة ذكور أو ما نسمّيهم بالشباب، ما جعلني أستفيق من نومة وشيكة لم تكمل عدة الربع ساعة، بسبب هؤلاء، الذين اعتادوا إقامة هذه التجمعات ليلا، دون الإكتراث لراحة السكان، أو ما يسببونه لهم من أرق يومي.

إنه مشهد معتاد بأزقة مراكش، خاصة في الأحياء الشعبية، التي غالبا ما تعرف كثافة سكانية و شباباً منقطعا عن الدراسة، يجد في التسكع ملاذا يسيراً، يجمعه بمن يشبابهونه في أفكاره و خيالاته الواسعة و تطلعاته الحياتية الباهتة، التي عادة ما تخلو من الواقعية و المنطق.

إلا أنّ ما يهمنا اليوم، هو فك شيفرة “البيرو”، أي ما يجعل هؤلاء الشباب يجتمعون في هذه الساعات المتأخرة من الليل، وفي أماكن معينة لا يستبدلونها لأسباب معلومة، ألا وهو التعاطي للمخدرات، و خاصة “الحشيش”، الذي ينتشر و بشكل كبير بين جميع فئات الشباب المراكشي، و حتى الصغار و في سن مبكرة، و ذلك بسبب توفّره في متناول أصدقائه أو ربما أبناء الجيران، الذين لا يستثنون أحداً من بلوتهم الملعونة.فقد إتّضح، أنّ معنى “البيرو”، و هي الكلمة التي إستخدمها أحد هؤلاء ليقصدوا بها مكان بيع الحشيش المعتاد، و أنّ معنى “الورقة و الستيلو”، هو “النيبرو” الذي يُستخدم لبرم الحشيش، حيث يختارون أماكن آمنة وسط السكان، ليثيروا الجلبة بنقاشاتهم الحادة و صراخهم، و أصوات الموسيقى و الريلزات التي يتصفحونها على هواتفهم ليلاً، بالإضافة لروايتهم لقصصهم الغرامية اليومية المُقرفة، و ما يعايشونه من فرّ و كرّ وهم يتخفّون عن أعين رجال الأمن، مثيرين، إزعاجاً كبيراً للساكنة، و غير آبهين لحجم الضّرر الذي يتسببون به لأنفسهم و لغيرهم، و ما يشكلونه من صورة مُخزية، تجعل من استهلاك المخدرات أمراً معتادا و مألوفاً لدى الأطفال الصغار، الذين يرمقون تلك المشاهد بشكل يومي.

إنّ ما يحزّ في أنفسنا اليوم و نحن نشاهد ذلك، هو ما يعايشونه الأطفال من مشاهد، تضرب في صميم تربيتهم و أخلاقهم، و ما يقوم به الآباء من مجهودات جبارة، معنوية و مادية لتربية أبنائهم على نحو صحيح، ليجدوا أمام أعتابهم و تحت نوافذهم ما يخالف ذلك، من صورٍ مشوَّهة لشبابٍ مُتعاطي، فقد هويته المعنوية و الحياتية، بل و أصبح عنصراً مُدمّراً لغيره، سواءً تم ذلك بعمد أو دونه، فضلاً عمّا يعايشونه الساكنة من سهر و إزعاج لهم في عقر ديارهم، مغلوبين على أمرهم، كونهم يدركون ما قد تؤول إليه الأمور في حالة ما تم الإعتراض عليهم، من إزعاج مضاعف قد يتّخذ أشكالا عنيفة، تبثّ إحساس الضعف و المهانة في نفوس من لا يقدرون عليهم.

أخيراً، نكتب كلماتنا هاته، و نحن آملين في أن تلقى آذاناً صاغية، و في أن تُكثّف عناصر الأمن مجهوداتها داخل أزقة الأحياء الشعبية ليلاً، لتكفل حق الراحة للساكنة، و تحدّ من حجم الإزعاج و الضّرر الذي يتسبب فيه هؤلاء، للساكنة و لغيرهم ممّن لم يُقدِموا بعد على “بلوتهم” الملعونة، التي أودت بحياة الكثيرين من الأحداث، الذين لم يدركوا حجم ضلالهم إلّا بعد فوات الأوان.

 

التعليقات مغلقة.