جنازة ومقبرة وعبرة

الانتفاضة // محمد المتوكل

توفيت قريبة أحد إخواننا فذهبنا لأداء واجب العزاء.

السكوت يعم المكان.

الحزن باد على الوجوه.

وأنا في العادة لا أقدر على مثل هذه الأجواء لأنها تذكرني بأشياء لا أقدر على النبس فيها ببنت شفة.

حين يموت أحد تجتمع على الأحزان من كل زمان و مكان واستسلم للبكاء طولا وعرضا.

حقيقة إن ما ينتظرنا أكثر مما نتصور.

إنها الموت التي وصفها الله بالمصيبة.

إنها النهاية.

انها الفتنة التي لا نملك أمامها إلا الإستسلام.

إنها مرحلة الإنتقال إلى عالم آخر.

عالم الغيب.

عالم فيه إما الجنة وإما النار.

ولذلك لما حللت بالمكان ظل قلبي يضرب فوق العادة.

ألقيت التحية وقلبي يعتصر ألما لفراق الخليل خله والأب إبنه والأم إبنها والجد جدته والقريب قريبه في لحظة لا يعلمها إلا الله تعالى.

والفاجعة هي لما دخلت المقبرة ففزعت فزعا وخفت خوفا واجهشت بالبكاء لأنني لأول مرة في حياتي منذ أن (وعيت) لم أر مقبرة بذلك الحجم.

كبيرة جدا جدا جدا.

بدأت المراسيم.

تم تقريب الفقيدة.

تم إدخالها إلى منزلها بعد أن كانت بين جدران فسيحة وتلقى العناية اللازمة وتأكل وتشرب في أمن وأمان وسلم وسلام.

الآن انقطع كل شيء.

ولم يبق لها إلا رحمة رب العالمين.

بدأ الواعظ في إلقاء العبرة.

الجميع يستمع.

لكن القليل من يعي.

أخذتنا الدنيا الفانية.

ولعبت برؤوسنا الأموال والأولاد والزوجات والسلطة والجاه وهلم جرا.

وفرطنا في حق الله تعالى.

بعد هنيهة جنازة جديدة وبعد هنيهة أخرى جنازة أخرى.

يا للهول.

أموات تلو أموات.

نعم.

هي الموت ليست النهاية بل هي البداية.

لكن صدقوني أن ألم الفراق صعب.

وحرارة الموت أصعب من الصعوبة نفسها.

لكنها في النهاية أقدار الله تعالى.

لا مفر منها.

فحتى سيدنا محمد عليه السلام مات.

وحتى هو ذاق مرارة الموت وسكراتها.

فكيف بنا نحن المقصرون.

المفرطون.

المعتدون على حرمات الله.

المفرطون في الصلاة.

المفرطون في الزكاة.

المفرطون في الحج.

المفرطون في الصدقة.

المفرطون في الصيام.

المفرطون في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر.

المغتابون.

النمامون.

المتجسسون.

المراؤون.

المنافقون.

الضالون.

المضلون.

العرايا.

الصبايا.

المتجشمون لكل الهوايا والغوايا.

فالموت كأس وكل الناس شلربه.

والقبر باب وكل الناس داخله.

عاد الجميع وبقيت الميتة وحدها.

وهي تسمع قرع نعال المشيعين.

سيأتيها الملكان للسؤال.

ما ربك؟

ما دينك؟

ما تقلولين في الرجل الذي بعث فيكم؟

أسئلة وجودية.

ولا بد للجميع من المرور عبرها.

والإجابة عنها سواء بالإيجاب او بالسلب.

فقط هي مسألة التزام وتقوى وورع وعلم بالله ومعرفة به والتزام بشريعته قولا وعملا.

أو تفريط في جنب الله ومعاصي وذنوب ومدلهمات واتباع للهوى والشيطان الرجيم.

باس الحرية الفردية والالتطور التكنولوجي والحضارة المزيفة والحداثة العارية.

فاختر لنفسك.

إما الجنة أو النار.

إما الموت على السنة والجبلة والفطرة.

أو الموت على البدعة والشرك والكفر.

فالموت في أخر المطاف فهي سنة سارية على الجميع.

قال تعالى: “كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور”.

هي وقفة مع النفس والذات لتعود عن غيها.

فلنعتبر جميعا قبل فوات الآوان.

التعليقات مغلقة.