“يوميات كتبي” جديد عبد المنعم الهراق

الانتفاضة // محمد المتوكل

خير جليس كتاب كما يقولون، وهو فعلا خير جليس خاصة في زمن الرويبضة والفتنة والتطور التكنولوجي الذي لم يسايره التطور الاخلاقي للاسف الشديد، اذ شذذنا عن الجادة وخرجنا عن سكة الصواب وحدنا عن صراط الله المستقيم في الوقت الذي هجرنا في الكتاب، وامتهنا الهواتف والفيديوهات القصيرة، وصبغنا وجوهنا وعدلنا من مشيتنا ولبسنا ما يطلبه الجمهور، واضفنا عليها رائحة الشعب “عاوز كذه”، واصبحنا نعبر باجسامنا وذواتنا عن هويتنا المفقودة، وظننا عندد انفسنا اننا نمارس شيئا اسمه الصحافة ونحن في الحقيقة لا نمارس الا السخافة والفوضى ونعيد انتجاج “اللغيط” والعبثية والاعتباطية في اجل وقاحتها.

فكل ممتهن لهذه المهنة وهو يعلم في قرارة نفسه انه دون المستوى او ان مستواه يكفيه فقط ليقضي به وقتا في الحمام يكلم نفسه او يعيد انتاج سيناريوهات مع الجدات في ركن من اركان البيت مع شيئ من الغيبة والنميمة سيكون بذلك قد اراح نفسه واراح المهنة لان من لا يكتب انما “طاح فالواد بحوايجوا” ومن يدعي انه مثقف او مثقفة فعليه ان يعلم او تعلم انهم فعلا مثقفون لكن بالمعنى الدارجي والذي يعني ان هؤلاء “الاحباش” انما هم مثقفون ومسقفون بالمعنى الاصح ضد كل ما من شانه ان يحعلهم في مصاف الصحفيين او المثقفين او الذين يقتربون منهم اصلا.

وعليه يبقى الكتاب خير انيس وخير جليس وخير رفيق في دنيا العبث والزيف والبروباغاندا الخاوية والتدين المزيف والالتزام المغشوش، مما يجعل حقيقة وصدقا من امر الكتاب شيء لا مفر منه على الاطلاق.

وفي هذا السياق سيقلنا قطار الكتابة والكتب لدى واحد من عايش معظم الكتاب وعاصرهم وسمع منهم وجايلهم حيث التقى بكبار المفكرين والكتاب المغاربة على مدى 3 عقود، تبادل معهم الآراء، ومع كل لقاء حدث لعبد المنعم الهراق حكاية بالمكتبة التي يعمل بها، “مكتبة الألفية الثالثة” بالعاصمة الرباط.

جمع الهراق (54 عاما) هذه الحكايات في كتاب أصدره حديثا بعنوان “يوميات بائع كتب ما بين 1990 و 2023″، يحكي فيه عن يومياته مع المثقفين والقراء والناشرين.

وثق حكايات ومواقف مع الكثير منهم، مثل الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن، والمؤرخ عبد الوهاب بن منصور، والمفكر حسن أوريد، والروائي عبد الكريم الجويطي.

وكان للقراء نصيبهم من السرد، منهم المحامية والطبيبة والطفلة الكاتبة، بالإضافة إلى قصص مع وزراء لهم مؤلفات، لكل حكاية أو طرفة أو موقف.

حكاية طه عبد الرحمن:

كثيرة هي المواقف التي بقيت راسخة في ذهن الهراق رغم مرور السنوات، فقبل 20 سنة، حين كان في بداياته المهنية، دخل عليه المفكر المغربي الشهير طه عبد الرحمن في المكتبة التي يعمل بها.

ويروي القصة فيقول: “دخل المفكر طه عبد الرحمن إلى المكتبة، وسألني عن الجديد، فجمعت له بعض الإصدارات الجديدة وضمنها كتاب له، حيث كنت آنذاك لا أعرفه”.

ربت عبد الرحمن على ظهر الهراق مع بعض الكلام الطيب، وهو الموقف الذي قال الهراق إنه لم ينسه “بسبب طيبة المفكر المغربي”.

يلفت الهراق إلى أنه استفاد كثيرا من اللقاءات المباشرة مع الكتاب والعلماء، مثل عباس الجيراري (مستشار ملكي سابق ومفكر)، ونجاة المريني (كاتبة)، والفيلسوف طه عبد الرحمن.

ويشير إلى أنه في اتصال معهم يوميا حيث يوجهونه، ويقدمون له نصائح في التصنيف أحيانا، وفي طريقة التعامل مع الكتاب وكيفية تلخيص بعض الكتب التي يبيعها.

وربط الهراق علاقات قوية مع الكثير منهم حتى تمكن من دخول نادي الكتاب والمؤلفين عبر إصداره كتابه الثاني في يناير الحالي والذي يضم قصص الكتاب، بعد كتابه الأول الصادر منذ سنوات، على حد قوله.

العروي وكيليطو:

حدث للهراق الكثير من الأحداث مع مؤلفين وروائيين وكتاب سواء بمكتبة “الألفية الثالثة”، أو مكتبة “منار العرفان” بنفس المدينة.

يحكي عبد المنعم، في كتابه عن الكاتب والمفكر المغربي عبد الله العروي، أنه يقضي ساعات طوالا في المكتبة ولا يتكلم ولا يسأل أحدا.

ويذكر الهراق، بحسب كتابه، أن الكاتب المغربي عبد الفتاح كيليطو، كان يدخل للمعرض الدولي للكتاب (بمدينة الدار البيضاء) مع الناس العاديين من خلال اقتناء تذكرته تواضعا منه.

ورغم المواقف الإيجابية التي وقعت للهراق، فإن الأمر لم يخل من مواقف أثرت عليه نفسيا بسبب تعامل بعض المثقفين بشكل سيئ.

البدايات:

يوضح الهراق أن بدايته في ميدان الكتاب كانت عام 1990 بمكتبة “منار العرفان”، مبينا أنه تعلم أبجديات المهنة فيها والتقى كبار الكتاب آنذاك، فضلا عن أساتذة جامعيين وباحثين.

ويعتبر أن تلك اللقاءات كانت بوادر أولى لحب مهنة “كتبي” (بائع كتب)، ويضيف أنه انتقل إلى مكتبة “الألفية الثالثة” عام 2007، ولا يزال يعمل بها حتى اليوم.

لم ينس عبد المنعم شكر من تتلمذ على أيديهم أبجديات المكتبة، مثل عبد المجيد وافر، المتخصص في تصنيف المخطوطات والحجريات، ومصطفى ناجي، وعبد الرحمن شتور (سبق أن عمل معهم بالمكتبات).

يتضح من خلال الحديث مع الهراق أنه ملم بشكل كبير بالكتب والمؤلفين، يعرف بسهولة الأسماء وتاريخ الصدور والاختلاف بين الكتب، وماذا ينقص المكتبات العربية والإسلامية، لذلك فكر في تأليف كتاب عن بائع الكتب.

ويقول إن كتابه كان الأول من نوعه بالعالمين العربي والإسلامي، اللذين لا يتضمنان كتابا عن حياة وتفاصيل بائع الكتب، وفق تعبيره.

ويلفت الهراق إلى وجود يوميات مهن أخرى وشخصيات متنوعة، في حين تغيب عن المكتبات يوميات بائع الكتب.

يكشف “الكتبي” المغربي أنه عندما تلقى كتابه الأول من المطبعة، انتابه إحساس جميل، وبكى من الفرح.

ويؤكد قائلا: “إحساس جميل جدا، وكأنه مولود جديد، وعندما ترى كتابك صدر، كأنك رزقت بمولود جديد”.

وجعل توجه الأفراد لمنصات التواصل الاجتماعي بشكل كبير، الهراق يتواصل مع القراء عبر صفحته، من خلال الإصدارات الجديدة، أو لقاءات تقديم الكتب.

يستمر الرجل بنشر بعض التدوينات على فيسبوك عن تجاربه، لأن الجيل الحالي مرتبط بالإنترنت، من أجل التواصل الدائم مع القراء، حيث يعرف الهراق أنواعهم.

أسرار القراء:

كتاب الهراق مليء بقصص القراء وأسرارهم، فقد كان حلقة وصل مع مسنة كان تقتني كتب الأدعية والأذكار والمصاحف، وتوزعها على معارفها، وطلبت منه أن يقترح عليها كاتبا يكتب خواطرها وتجربتها، وهو ما تم.

كما يسرد الكتاب حكايات أخرى مماثلة، كان فيها الهراق حلقة وصل بين باحثين ومواطنين وبعض الكتاب.

ويذكر في كتابه أن طلب الكتب مرتبط بالأحداث العالمية، حيث ارتفعت وتيرة الإقبال على الكتب التي لها علاقة بفلسطين منذ أكتوبر الماضي، مثل مؤلفات المصري عبد الوهاب المسيري، والمغربي المقرئ أبو زيد الإدريسي ، والفرنسي روجي غارودي، والإسرائيلي إسرائيل شاحاك.

كتاب الهراق يشير إلى كتب ومراجع مهمة بمختلف المجالات، والأكثر مبيعا، فضلا عن أهم الروايات التي تناولت عددا من القضايا مثل القضية الفلسطينية.

الهراق، ابن مدينة تاونات شمال البلاد إلى جانب كونه بائع كتب، فهو قارئ وكاتب، سبق أن فاز بمسابقة ثقافية لمجلة الفيصل الكويتية مرتين، يساعد الطلاب والباحثين في البحث عن مراجع، ويعد شاهدا على عصر الثقافة بالمغرب.

يظهر جليا ان امر الكتابة والكتب شيء لا يستهان به خاصة في زماننا هذا الذي كثر فيه الناعقون والمزيفون والمدعون لامور هم في الاص لا يملكوها ولكن يستعينون في ذلك بالجبهة والسنطيحة من اجل التغطية على النواقص التي تعتريهم، فلا هم قرؤوا كتابا ولا هم سمعوا به وانما كل زادهم هو “لسانهم الماضي ودراعهم الكاضي” واشياء اخرى يستعملوناها من اجل “قضاء الغرض” و”هي قاضية الغرض” للاسف الشديد.

التعليقات مغلقة.